الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني
دراسة تحليلية ومقاربة نفسية
سؤال قديم بقدم الإنسان، غير أنّه يطرح اليوم بحدّة غير مسبوقة؛ عصر تتصادم فيه المفاهيم حتى تفقد حدودها، فيغدو النجاح مرادفا للقوة، والقوة قناعا للخداع، والمصلحة واجهة للدهاء. هنا تنقلب المعايير، فيلبس الشرّ ثوب الفاعلية، ويجرّد الخير من هيبته، حتى يعتقد أنّه عجز أو سذاجة.
هل على الإنسان أن يكون خيّرا فيثبت على الحقّ، أم شريرا فيساير الواقع ويقتنص الفرص؟
الواقع المعاصر يعرض إجابة مضلّلة لصورة، رغم سطوعها، سطحية ومخادعة؛ إذ يبدو الشرّ طريقا مختصرا للنفوذ، وسلّما سريعا نحو المال والشهرة. في المقابل، يدفع بمن يفعل الخير وصاحب المبدأ إلى الهامش، يستنزف في صمته، ويختبر في صبره، قد يتعب أكثر، ويظلم أكثر، ويخسر أحيانا فرصا دنيوية كثيرة لأنه يرفض أن يتنازل عن مبادئه، كما تغلق في وجهه أبواب كان يمكن أن تفتح، لو أنه ساوم أو تلوّن.
العالم اليوم لا يكتفي بالدعوة إلى البراغماتية، حتى أنه يروّج لنموذج الإنسان الماكر؛ ذاك الذي يجيد التحايل والنفاق، ويجعل ذاته مركزا لكل قرار. يستخدم الدهاء والغموض فيصنّف من الأذكياء، ويستعمل الأنانية والكذب فيدرج ضمن الأقوياء. ومع تكرار هذا الخطاب في الأوساط الإجتماعية، يضعف الارتباط بالمطلق، وتبهت الاستعانة بالإله وتطبيق تعاليمه والاقتداء بأخلاق الأنبياء.
فالإنسان الخيّر صاحب النوايا الطيّبة يصوّر ضعيفا مضحّيا، جبانا وساذجا، أو خاسرا وعاجزا عن “اللعب في الميدان”. بينما يمنح صاحب الباطل ألقاب الجرأة والدهاء والشجاعة، لمجرد أنه يقتحم دون وازع، ويكسب الأموال دون معيار، في حين أنه في الحقيقة مجرد فاسق، أو كاذب، أو منافق أو غشّاش، أو مرتشي، أو متلاعب، أو لمّام أو نمّام، أو متملّق.
وعليه، انقسم الناس بين من يريد أن يعرف، هل عليه أن يكون شخصا جيّدا وخيّرا، أم شخصا سيّئا وشريرا؟
الحقيقة أكثر صرامة من هذه السردية. فالإنسان الخيّر يشتدّ في الحقّ ولا يلين أمام الباطل. وهو من يقول كلمة الحقّ ويثبت عليها ولا يخشى لومة لائم، لا يغيّر موقفه تبعا للمكاسب، ولا يساوم على مبادئه تحت ضغط الواقع، فثباته اتساق داخلي ورسوخ؛ انسجام بين ما يؤمن به وما يفعله، والحقّ هو ربّه.
وشعاره" أنا لن أخالف الكتاب والسنّة."
أمّا الشخص الشرير، تتجلّى أفعاله في قائمة من الشرور تعمل على قلب المعايير؛ حيث ينصر الباطل لذاته، ويتّخذه مبدأ دائما، ويبرّره باسم المصلحة. لا يفكّر إن كان ما يقوم به خالص لوجه ربّه؟ فصاحب الباطل لا يفعل شيئا خالصا لوجه الله، ويعطي ظهره للإله. فكل ما يقوم به خالصا لنفسه، بعيدا عن أي اختبار أخلاقي. يرى في أفعاله صفقة رابحة، وإن كانت على حساب الغاية.
الفارق الجوهري بين المسارين، يكمن في البنية الداخلية لكلّ منهما.
الخيّر يتحرّك من مرجعية عليا، فيجعل رضى الله غايته، ويقيس نجاحه بمدى اقترابه من الحقّ سبحانه لا غير.
والشرير يتحرّك من مركز الذات، فيجعل مصلحته غايته، ويقيس نجاحه بما يحصّله، مهما كان الثمن.
الآن ينتقل تساؤلنا من حيّز الاختيار إلى حيّز الأثر؛
ماذا يجني الإنسان من فعل الخير؟ وماذا يحصد من الارتهان للشرّ؟
هنا تتّضح مستويات مستترة؛ ما هي الأمور التي تحصل ولا يراها الناس أو لا ينتبهون إليها، رغم حضورها العميق في بنية الإنسان؟
حين يقدّم الإنسان فعلا طيّبا وعطاء لأخيه الإنسان، أو رحمة بكائن، أو تهذيبا لذاته ابتغاء مرضاة ربّه؛ فإنه يبني علاقة ارتقاء مع العلوّ. الخير في حقيقته تقديم نافع، أثر نقيّ، وحركة تنسجم مع ميزان السماء. تتنوّع طرقه، غير أنّ روحه واحدة؛ توجيه الفعل نحو النور الالهي.
في داخل الإنسان مجال طاقيّ يولد معه، يبدو في بداياته محدودا كأنّه هالة من النور حبيسة حيّز ضيّق. ومع كلّ فعل خير، يبدأ هذا المجال في الاتّساع، ثم يتجلّى كأنّه طريق أو بوّابة تنفتح بينه وبين السماء، فتتدفّق طاقة مضيئة إيجابية تحيط به وتغذّي كيانه. تتعاظم هذه الطاقة مع الاستمرار في فعل الخير، فتتحوّل من شرارة خافتة إلى إشعاع متّصل بالعرش في السماء.
ما فائدة هذه الطاقة الإيجابية إن زادت أو نقصت في حياة الإنسان؟
قيمة هذه الطاقة تتجلّى في آثارها العميقة؛
حالة صفاء داخلي، سكينة راسخة، وانشراح يخفّف من ثقل الحياة. ينمو التفاؤل، ويزدهر الشعور بالمحبّة، ويتحقّق انسجام بين داخل المرء وخارجه. يغدو النوم هادئا، ويستعيد الجسد توازنه ويتشافى، ويخفّ عنه الاستياء والتذمّر، ويتغني بالبركة في الرزق. كما تنفتح مسارات التيسير، فتتبدّد العقد والمشاكل، وتتراجع حدّة الأزمات داخل النفس وضمن الدائرة العائلية.
في الجهة المقابلة، ينحصر أفق الإنسان الذي لا يقدّم الخير للناس ويكتفي بذاته ويجعل مصلحته الشخصية مركزا لكلّ قراراته. يبقى هالته الطاقيّة مغلقة، ويتقلّص إشعاعها تدريجيا، فتتكوّن حوله كثافة قاتمة وظلامية. تتعزّز لديه مشاعر الضيق والحزن والكآبة، وتتصاعد حدّة توتّره، ويتكاثف إحساسه بالعدوانية والمرارة تجاه نفسه ومن حوله. ويصبح حبله مع الله منقطعا، فلا يشعر بالسعادة، كما يظهر فراغ داخليّ يلازمه رغم امتلاكه أسباب الرفاه المادي وتتعاظم أمراضه وتكثر مشاكله مع من يحيطون به.
هذا الانغلاق ينعكس على كلّ تفاصيل الحياة؛ اضطراب في السكينة، ثقل في الروح، وتعسّر في العلاقات. ويغدو وجوده في الحياة عبئا عليه وعلى محيطه ويصبح شؤما على نفسه وعلى غيره ولا خير فيه، ولا في ذريّته. يتّسع إحساسه بالتردّي الداخلي والمزيد من الانحدار إلى أسفل السافلين. حتى وإن ضحك وبانت نواجذه. فهؤلاء الناس يعيشون في تعصّب وكراهية وتمزّق دائم، ولا يشعرون بالراحة في أيّ شيء. فلا يجدون من يقف معهم، حتى الشيطان الذي سعوا لإرضائه يبتعد عنهم، أو الأشخاص الذين شاركوهم الظلم أو أعانوهم على ترك فعل الخير، فإنّهم يغرّرون بعضهم بعضا بالكلام المزيّن والخداع، لأنّ هالتهم الطاقية كلّهم تظلّ مغلقة.
ومع مرور الزمن، تتكوّن بنية نفسية مزدوجة؛ ظاهر مصقول بالنفاق، وباطن مثقل بالهموم. هذا الانقسام يولّد شعورا دائما بالنقص، ويغذّي نزعات المقارنة والحسد. تتّجه أنظارهم نحو من يعيشون صفاء وسعادة، فتمسي تلك النظرة توتّرا داخليّا يؤرقهم. "يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا"، يتبادلون الوعود الكاذبة، كما يعدهم الشيطان غرورا، غير أنّ في اللحظات الحاسمة لمّا يحصحص فيها الحقّ، تكشف عن هشاشة الروابط بينهم. كلّ طرف ينشغل بذاته ويتحاشى أن يقدّم المساعدة للشخص الآخر، فيظهر الخداع والأنانية والكذب في أوضح صورة. "يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا".
تنجلي الحقيقة عند المحكّ. تفرّق، وتخلٍّ، وتعرّي لزيف العهود. تتوحّد المشاعر القاتمة، كآبة، توتّر، حزن، شعور بالنقص، طاقة الحسد والضغينة تتضاعف، أزمات نفسية واغتراب عن الإحساس الصادق. تتراجع القدرة على الحبّ، ويضعف الإدراك العاطفي، وتغيب حرارة الروح. ولما تبقى الهالة الطاقية مغلقة يكتسب صاحبه سلبية ظلامية شيطانية.
في هذا المناخ المشحون، والذي يغذّى بدوره السلوكيات المنحرفة في الخفاء، بينما يحافظ الظاهر على صورة مزيّنة بالنفاق ومغايرة.
تراهم ينظرون إلى الأشخاص السعداء والفرحين بحقد، يتكلّمون في ظهورهم، ويتساءلون لماذا هم ليسوا مثلهم ظلاميّون، ولماذا لا يمكنهم بلوغ تلك الدرجة التي هم عليها من الراحة والطمأنينة؟
في المقابل، يواصل أهل الخير صعودهم الهادئ؛ تتّسع معارفهم، وتترسّخ سكينتهم، وتغدو حياتهم أكثر انسيابا. تتجلّى المعيّة الإلهية في تفاصيل يومهم، فيشعرون بالتيسير حتى في قلب الابتلاء، ويجدون في داخلهم قوة تثبّت خطاهم.
،؛، الطريق إلى هذه الحالة واضح المعالم؛ مبادرة بالعطاء، حسّ إنسانيّ يقظ، ومشاركة وجدانية صادقة. حين يمدّ الإنسان يده لغيره، يفتح في ذاته بابا ربّانيا كان ينتظر الحركة. ومع كلّ فعل ايجابي ونافع، يقترب من الحالة الروحانية الطيبة التي ينشدها.
المثل يقول: افعل الخير، يتّسع داخلك، وتذوّق ما يعيشه السعداء.،؛،
يمتدّ أثر الخير من القناعة إلى الممارسة. ما يملكه الإنسان مالا كان أو وقتا أو جهدا أو عاطفة، يمثّل رصيدا قابلا للاستثمار. العطاء يتشكّل في صور متعدّدة، دعم ماليّ، مساندة وجدانية، حضور صادق في لحظة ضيق، أو كلمة تبثّ طاقة إيجابية في نفس مثقلة.
في المنظور الإيماني، يتجاوز هذا الفعل حدوده الظاهرة؛ فيغدو صلة بين الإنسان وربّه، وامتثالا لتوجيه محمد الرسول الذي يضع همّ الجماعة في صلب الإيمان، كما في قوله: «ليس منّا من لم يهتمّ بأمر المسلمين». ويتعزّز هذا المعنى بما جاء في القرآن الكريم؛ "وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ".
هذا الفعل الأخلاقي يحمّل الإنسان مسؤولية مباشرة تجاه محيطه القريب؛ صديق، جار، زميل، قريب؛ جميعهم نموذج اختبار لصدق الانتماء.
فحين ينصرف تفكير الإنسان إلى إرضاء الناس، يتضخّم تكلّفه، ويتنامى تصنّعه. أمّا عندما يتّجه نحو إرضاء الله وحده، يتوحّد ظاهره وباطنه، فيكون إنسانا متوازنا؛ سريرته مرآة لعلانيته، لا يهمّه حديث الناس وكل ما يهمّه هو إرضاء ربّه. في هذا الاتّساق تنبثق السكينة والسعادة، وتترسّخ الطمأنينة.
فالإنسان الصادق في عطائه يكتسب خفّة في الروح، وسكينة في القلب، واستقرارا في الشعور. كلّما امتدّت يده بالعطاء، اتّسع مجاله الداخلي، وتدفّقت فيه طاقة نقيّة تضيء مسارات حياته. تظهر آثار ذلك في انفتاح السبل الوعرة له، وتكاثر وجوه الخير من حوله؛ "وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ". هذا الوعد يترجم في الواقع على هيئة أبواب تفتح أمام فاعل الخير والصادق في نيّته. وتمنع عنه عوائق وتجعلها تتلاشى، وتمنحه طمأنينة تتجذّر.
والذي لا يعلمه الأغلبية، ويعرفها إلا المتفقّهون في الدين؛ وهو أن الإنسان الذي يمنح الخير للآخرين بحسن نيّة، يتلقّى الخيرات؛ وما يقدّمه يعود إليه في صورة أخرى، وبهيئة قد تفوق توقّعه. العطاء يعدّ استثمارا وجوديّا، يدّخر لصاحبه في مواقف قادمة.
الفعل الصادق الصادر عن صاحب الخير، وصفاء نيّته في تعاملاته، يصنع حاجزا معنويا من الحماية الإلهية الخفية تحيط به؛ فتحفظه من آثار السوء، وتخفّف عنه شدّة البلاء ووطأة ما قد يطرأ عليه. مواقف صعبة تتبدّد، وأذى يصرف عنه، ومكائد تنجلي قبل أن تبلغ غايتها منه. وما يقدمّه المرء للآخرين يختزن له في مستقبله القادم ويعدّ رصيده هو ذاته.
"إن عمل خيرا ادّخر له ربّه خيرا منه وإن عمل شرّا ادخر له ربّه شرّا أعتى منه".
فالوقوف إلى جانب فقير أو محتاج، أو دعم مريض، ومساندة صديق، إذا كان لاظهار الحقّ سوف يظهر أثره مستقبلا،
أغلبية الناس يظنون أنّهم يفعلون الخير للآخرين، بينما عند الله ما يفعلونه يقدّمونه لأنفسهم. كلّها أفعال ترتدّ إلى صاحبها في لحظات يحتاج فيها إلى سند مماثل؛ لأنّ الأيام القادمة قد تضعه في الموقف نفسه. فقد يحتاج هو أيضا إلى من يساعده بالمال، أو يقف إلى جانبه عند المرض أو الشدّة أو الحاجة؛ فيجد نفسه يوما في موضع كان قد خدم فيه غيره. " وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ". وربما يكون ذلك الخير سببا في أن يبعد الله عنه كربا كان متّجها إليه، أو يدفع عنه أمرا سيّئا كاد يصيبه. فالخير الذي فعله الإنسان سابقا، وربما نسيه، يكون له حماية حين تنزل به الشدائد.
وهناك أشخاص طيّبون يحاول الناس الأشرار أن يكيدوا لهم، لكنّ تلك المكائد ترتدّ على أصحابها.
فيقولون في أنفسهم: فعلوا له سحرا فلم يصبه، أو حسدوه فلم يتأثّر، أو تآمروا عليه فلم يحدث له شيء.
ولكن لماذا؟ لأنّ هذا الشخص من أهل الخير، ودائم الإحسان إلى الناس بنيّة صادقة وسليمة، فيجعل الله ذلك الخير رحمة به وسببا في دفع كثير من الشرور عنه. يبطل عنه الأذى، ويخفّف عنه الحسد والعين.
أما الذين لا يقدّمون للآخرين أيّ مساعدة، فتكون طاقتهم مظلمة؛ وأيّ شيء يأتي يصيبهم. وإن أصابوا الناس بالعين، ارتدت عليهم هم أنفسهم. كما قال محمد رسول الله «من حفر حفرةً لأخيه سقط فيها». فهم الذين يسقطون فيها.
يخرج أحدهم ليحسد غيره، فيجد أنّ ذلك الحسد ارتدّ عليه فأصاب نفسه، ويعمل سحرا ليوقع بغيره، فيجد أنّ ذلك السحر انقلب عليه. "وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ". وذلك لأنّ طاقتهم مغلقة، فأيّ شرّ يريدون أن يفعلوه يعود عليهم، فيصبحون شؤما على أنفسهم وعلى ذريّتهم. حتى إن كسبوا المال عن طريق الرشاوى أو المؤامرات أو الخيانة أو السرقة، فإن ذلك المال يذهب بلا بركة. إن أنفقوه على أنفسهم أصابتهم الأمراض، وإن أنفقوه على أبنائهم أصيبوا هم أيضا بالأوبئة، لأن تلك الأموال من حرام. إن احتفظوا بها، عادت عليهم وبالا، فآذتهم في أنفسهم وأهلهم.
أما الذي عنده مال فينفقه على نفسه وعلى كل محتاج، فإن الله يبارك له فيه. فليس من شرط الجزاء أن يعود عبر الشخص ذاته، بل يأتي عبر تدبير أوسع، في وقت أدقّ، وبصورة أنسب.
الإنسان يزرع، والله يختار موضع الثمرة وزمنها. وتجربة الحياة تؤكّد أنّ الإحسان الصادق خير محفوظ؛ موقف يسعفك الله فيه حين تضيق بك، يد غريبة تمتدّ إليك حين تحتاج إليها، باب يفتح في وجهك حين تشتدّ العقد "وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ".
كثيرون يشتكون ضيقا مبهما بلا سبب أو مرض عضويّ غير ظاهر. حيث تظهر الفحوصات سلامة الجسد، غير أنّ النفس تحمل أثقالا غير مرئيّة. يشتكون ويتذمّرون باستمرار، وما عليهم إلّا أن يكفّوا أيديهم عن فعل السوء، ويساعدوا الآخرين، ويفعّلوا طاقة العطاء، وينقّوا سلوكهم من الفسوق.
،؛، من أراد العافية، ومن ابتغى راحة راسخة، فليشارك الآخرين، وليخفّف عنهم أعباء المحن والشدائد،؛،.
يقول أحدهم؛ أنا أساعد ابني، أساعد أخي، وما أفعله لأمي أو لأبي يكفي. غير أن ذاك أمر طبيعي وجدا، فهم أقرباءك وحاشيتك ومساعدتك لهم تعتبر نفاقا مزدوجا غالبا، وليس عن طيب خاطر.
لكن المساعدة الحقيقية هي أن تضع خيرا في مكانه الأصحّ، ولا تنتظر أن يردّ إليك. أن تفعل الخير لكائن أو لمخلوق أو لإنسان، دون ترقّب عائد.
المعروف والخير يفعلان فيمن نعرفه ومن لا نعرفه، كما أنّ الشر قد يفعل فيمن نعرفه ومن لا نعرفه. فإذا صار الإنسان ينتظر ردّ الخير والجميل إليه، أمست طاقته منعدمة، وبقيت هالته الطاقيّة مغلقة ومظلمة. وكلّما فعل الإنسان الخير بصدق ازدادت الهالة الطاقيّة التي تحيط به نورا على نور، وكلّما فعل الشرّ نقصت واضمحلّت، فيشعر بالكآبة والحزن. لذلك تجد الأشخاص الصالحين عليهم هيبة ونور. يعيشون نجاحا ومباركون أينما ذهبوا، لأنّ الله بارك فيهم. كونهم يوجّهون المعروف إلى من يعرفون ومن لا يعرفون، إلى القريب والبعيد، دون أن يرجوا منهم شيئا أو ينتظروا مقابلا.
فالعطاء الذي يثمر هو العطاء المتحرّر من المقايضة، والمنزّه من أيّ مردود؛
لأن المساندة المرتبطة بردّ مباشر تصبح معاملة، أمّا العطاء الصادق فيفيض دون انتظار. فالإنسان الذي يثبت على القيم، ويحافظ على نقاء سريرته، تجد أنه يحيط به القليل من الاشخاص الصادقين، غير أنّهم يشكّلون حضورا حقيقيا في حياته. وفي المقابل، تتكاثر حول أصحاب الزيف العديد من الوجوه المنافقة، والتي تتبدّد عند حلول الامتحان.
،؛، المعيار الحقيقي يقدّر بصدق المقرّبين؛ فصحبة قليلة متماسكة تغني عن جمع غفير متفلّت.،؛،
الثبات في المواقف يكشف جودة الروابط، ويحدّد من يستحقّ القرب منك. فأهل الصفاء يوجّهون طاقتهم نحو البناء، فينصرفون إلى تهذيب ذواتهم، وإعمار محيطهم، وتكثيف أثرهم النافع.
،؛، الإنسان الذي يحافظ على نقائه، ويثبت دون مساومة، يبلغ حالة من الطمأنينة تعدّ أثمن ما في الوجود. تلك السكينة ثمرة سبيل قائم على العطاء والصدق. والاطمئنان قيمة عليا في حياة الإنسان الخيّر؛ به تتوازن النفس، وبه يستقيم الطريق، وبه يذوق الإنسان طعم الحياة في أنقى صوره وأبهى تجلّياته.،؛،
خذ مثالا: زوج يحسن إلى زوجته، فتسيء إليه. هل يكون قد أخطأ التصرّف؟ كلا. ما دام صادقا وأخلاقه طيّبة، فإن الله يعوّضه خيرا منها. فذاك الخير الذي فعله لها؛ يفتح الله له به طريقا أفضل، ويرزقه من حيث لا يحتسب، ويمنحه الصحة، والنجاحات، والذرّية الصالحة مع غيرها. الأهمّ أنّ يردّ إليه أثر ذلك الخير. أمّا هي، فلأنها أساءت إلى من أحسن إليها، فإن ذلك السوء يرتدّ عليها وحدها. فتصير هالتها معتمة مغلقة، أيّ تزداد انغلاقا وظلمة. إن كانت مريضة ازداد مرضها، وإن كانت محتاجة ازداد احتياجها.
،؛، الطمأنينة والسكينة يحتاج إليهما كثيرين، فالناس يبحثون عنهما في هذا الزمن فلا يجدونهما، فيشعرون بالغمّة والضيق، لأنهم ابتعدوا عن فعل الخير، وصاروا يصدّون من يفعله. فمن أراد أن تنجلي عنه هذه الغمّة، وأن يشعر بالاطمئنان والألفة والمحبّة، وأن يلتفّ الصالحون حوله حبّا وصدقا، فعليه أن يصلح سريرته، ويكثر من عمل الخير، ويبتعد عن الأذى.،؛،
،؛، لا يهمّك إن اقترب منك ألف شخص، لكن ما يهمّ أن يكون معك شخص واحد صادق. فكثير الأصحاب يبقى في النهاية بلا صديق.،؛،
الله، عندما أحبّ محمدا رسوله، جعل معه أربعة أصحاب فقط، وكانوا من خير من سار على الأرض. أمّا المنافقون، فقد يحيط بهم المئات من المراوغون، لكنهم عند الشدائد والمواقف يتفرّقون عنهم في لحظة. أما المؤمن، فقد يكون معه اثنان أو ثلاثة، لكنه يجدهم وقت الحاجة وفي كل المواقف الصعبة.
،؛، إذا اتّفق المنافقون والكاذبون والظالمون على شخص وتآمروا عليه، فاعلم أن الكلاب يجتمعون ضدّ الأسد.،؛،
فاعل الخير يغيظهم ويكيدهم، ومع ذلك لن يستطيعوا إليه سبيلا مهما كثر عددهم. فالكلاب مهما نبحت، يبقى نباحها بلا معنى؛ لأنّ النباح طبعها، سواء مرّ أمامها أحد أم لم يمرّ. فدع الكلاب تنبح.
الشخص المؤمن الخيّر، ينشغل بنفسه، وبأمر ربّه، وبفعل الخير، لا ينشغل بالناس؛ لا بمن دخل ولا بمن خرج. أمّا أصحاب الظلمة، فبسبب ما يشعرون به من حزن وكآبة والطاقة المظلمة والمغلّقة عليهم، يبحثون عن متنفّس لذلك الضيق؛ فينشغلون بالآخرين، ويحسدونهم، ويتتبّعون أخبارهم، فتجدهم يتنمّرون ويتنمّمون ويؤذون غيرهم. وذلك لأنّ هذا الشخص النقيّ الشريف الطاهر لم يتنازل عن مبادئه مهما عرضوا عليه من متاع الدنيا، بينما هم تنازلوا كثيرا. حتى صاروا ساقطين، تجد المرأة قد تنازلت ودخلت في العلاقة تلو الأخرى وتبوّلوا عليها لتصل إلى ما هو تافه، وتجد الرجل ارتكب المنكرات ليحصل على ما لا يذكر،
أمّا من يغيضهم، فتجده كريم الخلق عفيف النفس زكيّ السريرة، وتلك تجدها شريفة، طاهرة الفطرة، عزيزة نقيّة الفؤاد؛ ظفرا بأغلى ما يرجى ونالا أرقى النعم والعطايا. رغم أنهما لم يتنازلا عن شيء، حقّقا النجاح وبلغا مرادهما.
أمّا الآخرون، فقد تنازلوا ولم يحوزوا على شيء حقيقي. فالناس تعرف حقيقتهم، وهم يعلمون خفايا ذواتهم، يتملّكهم إحساس بالخواء والانكسار. لذلك ترى الطمأنينة من أعظم ما يحتاج إليه الإنسان الخيّر في حياته.
الفرق بين من يفعل الخير لله، ومن يفعله لنفسه أو لأجل الناس؛
لا يظهر عند الثناء، وإنما يظهر عند الأذى. فالكل يستطيع أن يبدو طيبا حين تكون المكافأة حاضرة، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ عندما يقابل المعروف بالخيانة، أو الإحسان بالجحود.
المنافق حين يساعد، إنما يعقد صفقة خفيّة مع البشر: يعطي ليأخذ، ويبتسم لينال التقدير، ويتحمّل ليكافأ. لذلك إذا عاد خيره عليه بالأذى، شعر أنه خدع، فيجزع ويغضب ويقول في نفسه: "لماذا أفعل الخير لمن لا يستحق؟" ثم يتحول معروفه إلى ندم، لأن قلبه لم يكن متعلقا بالله، بل بردود أفعال الناس. إنه لا يؤلمه الشرّ بقدر ما يؤلمه سقوط الصورة التي كان ينتظر أن تتعاظم.
أما الصالح، فإنه حين يفعل الخير يكون قد سلّمه لله قبل أن يصل إلى الناس. لا يرى نفسه متفضّلا على أحد، ولكن يرى أن الله هو الذي وفّقه لذلك المعروف. ولذلك إذا قابله الناس بالإساءة، لا ينهار قلبه، لأنه لم يكن ينتظر منهم جزاءً أصلا. يحزن أحيانا من قسوة النفوس، نعم، لكنه لا يندم على الخير ذاته، ولا يكره الإحسان بسبب من أساء إليه. بل قد يزداد هدوءا ويقول في سرّه: "أنا لم أفعل هذا لأجلهم... أنا فعلته لأن الله يحبّه."
ولهذا يكرّر المعروف كلما استطاع، حتى بعد الخذلان، لأن مصدر عطائه لم يكن البشر، بل الإيمان. فهو يعلم أن الخير الحقيقي لا يضيع، وإن ضاع عند الناس، فإنه محفوظ عند الله.
،؛، ولهذا كان الفرق بين الاثنين عظيما؛ أحدهم يعبد نتائج الخير، والآخر يعبد ربّ الخير.،؛،
إذا أنكروا الجميل، الذي تقدمه لهم بنيتك الصادقة، فابتسم، لأنّ الله رفعك درجات وخفّضهم درجات. لا يهمّك ما دمت تفعل الخير. كما قال محمد رسول الله : «وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ». وقال: «اصْنَعِ الْمَعْرُوفَ فِي أَهْلِهِ وَفِي غَيْرِ أَهْلِهِ، فَإِنْ صَادَفَ أَهْلَهُ فَهُوَ أَهْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يُصَادِفْ أَهْلَهُ فَأَنْتَ أَهْلُهُ».
الخير موقف متكامل حين يأخذ شكله الحقيقي؛ استمرارية، مسؤولية، ومرافقة حتى الاكتمال. عطاء ينفذ إلى صميم الحاجة، ويمتد حتى تزول الأزمة وتستقيم حياة الإنسان من جديد. مساندة المحتاج تكتمل حين ينتقل من العوز إلى الكفاية. ورعاية اليتيم تبلغ معناها حين يجد سندا ينهض به. ومرافقة المريض تتحقق حين يستعيد عافيته. ودعم المتعثّر يثمر حين يخرج من ضيقه ثابتا على قدميه. بهذا المعنى يغدو الخير مشروعا؛ حضور بالفعل، بالوقت، بالجهد، وبالروح.
أما العطاء الشكلي كقطعة ترمى، أو كلمة تقال وتبقي المشكلة في مكانها، ويمنح الفاعل شعورا مؤقتا بالرضا دون أثر حقيقي. لا نفع منه، أمّا العطاء الصادق، فيغوص في عمق الأزمة، ويشارك في حلّها، ويصبر حتى تنكشف.
"من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة".هذا التوجيه يرسّخ مبدأ المرافقة حتى الفرج؛ الوقوف مع الإنسان في تفاصيل محنته، لا عند أطرافها.
الكلمة الداعمة تكتمل بالفعل، والدعاء يزدهر حين يرافقه سعي، والتعاطف يترجم نفسه إلى حركة. مرافقة المريض نحو العلاج، إسناد المحتاج حتى يجد موردا ثابتا،
الوقوف مع المظلوم حتى يستردّ حقّه، كلّها صور لخير مكتمل يترك أثرا عميقا في النفس والواقع.
هذا النمط من العطاء ينشئ قانونا متوازنا في الحياة.
،؛، كما تبذل، يعود إليك البذل؛ كما تعين، تعان؛ كما تفتح، تفتح لك الأبواب.،؛،
"إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا".
أن تقف معه حتى تحلّ المشكلة كأنها مشكلتك. إن كان فقيرا، تقف معه حتى يصير مكتفيا، لا أن تعطيه يوما قطعة خبز وتقول: فعلت الخير وهذا يكفي. لاء، فهذا فعل المنافقين.
أن تتصدّق يوما بثوب على يتيم ثم تقول متفاخرا: فعلت الخير. كلا وقطعا لا. عليك أن تخصّص له مبلغا من المال كلّ شهر حتى يستغني ويعين نفسه. هذا هو الخير، وليس أن تمرّ عليه وتعطيه عشرين درهما كأنّه شحّاذ ثم تقول: فعلت الخير. أنت لم تفعل خيرا، أنت لم تفعل له أيّ شيء.
فالخيّر يقف مع المحتاج حتى يفكّ كربته. قال محمد الرسول: «... وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يَقْضِيَهَا لَهُ؛ ثَبَّتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ تَزُولُ الْأَقْدَامُ». وقال أيضا: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ»، و«أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ»، و«الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ».
على المرء أن يقف مع المحتاج في استخراج وثائق استعصت عليه وتلزمه، وفي المشكلة حتى تفرج، وليس أن يقول له: الله يعينك يا فلان، ثم يقول: أنا فعلت الخير. أو يقف معه بالكلام فقط: آه نعم، أنا أدعمك بالكلام. لا.
بل ادعمه بالمادة، وبروحك، وبنفسك، وبوقتك، كأنها مشكلتك. لا أن تمر عليه وتقول: أنت مريض، الله يشافيك. ولكن تذهب وتأخذه إلى الطبيب، وتعمل وتسعى، وتشتري له الدواء، وإن احتاج عملية تدفع ثمنها، وتقف معه حتى يشفى. تفعل كل هذا، وتطبخ له الطعام، حتى يقوم على رجليه. هذا هو الخير.
أو شخص صادفته مشكلة في عمله، تقف معه حتى يخرج من تلك المشكلة؛ لأنّك في المستقبل قد تحدث لك نفس المشكلة، وكما وقفت معه حتى أخرجته منها، سيقف الله معك حتى تخرج منها. و«كما تدين تدان»، و«كما تكيل يكال لك».
إذا قدّمت عشرة دنانير فقط، سيأتي شخص

تعليقات
إرسال تعليق