بقلم/ محمـــد الدكـــروري
روي عن الإمام الحسن البصري رحمه الله أنه قال في قول الحق سبحانه وتعالي " ولا أقسم بالنفس اللوامة " قال أي يلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه ماذا أردت بكلمتي ماذا أردت بأكلتي ماذا أردت بشربتي والعاجز يمضي قدما لا يعاتب نفسه، ولقد روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوما وخرجت معه حتى دخل حائطا أي بستانا، فسمعته يقول وبيني وبينه جدار وهو في جوف الحائط عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بخ بخ والله لتتقين الله، ابن الخطاب أو ليعذبنك، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم وتزينوا للعرض الأكبر " يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية " فإنه ليس المفسد في الأرض فقط تلك الفئة الضالة ولكن هناك أيضا من يسرقون مبادئنا، ويشوهون ملامحنا ويغيرون مفاهيمنا الحقة.
فالمفسدون يتكاثرون كأبغض المخلوقات التي تملأ الأرض نسلا في أقل وقت ممكن، ولأنهم يعيثون في القلوب فسادا، فلذا وجب أن نحذر منهم، فقد تواترت النصوص الشرعية في الكتاب والسُنة في الحديث عن الفاسدين والمفسدين، وبيان صفاتهم وأماراتهم، ليكون الناس على بينة من أمرهم، فيحذروهم ويدركوا العقلية المنحرفة والموازين المضطربة التي يتعامل بها أولئك المفسدون مع غيرهم، وقد تكاثر هؤلاء المفسدون في عصرنا الحاضر، وتعددت راياتهم، وتفننوا في إبتكار صنوف الفساد والإفساد في كل الميادين، وكان وجودهم من الأسباب الرئيسية لتخلف الأمة، وتردي مكانتها، من أجل ذلك كان من الواجب علينا أن نتدارس صفاتهم بيانا للحقيقة، وإيقاظا للأمة، وتحذيرا من تغول المفسدين وطغيانهم في البلاد، وإن من أبرز الصفات التي جاء بيانها في القرآن الكريم بإن الصفة الأولى هى العلو والإستكبار في الأرض فالعلو والطغيان والإستكبار في الأرض.
صفات ملازمة للمفسدين، كما قال تعالى فى سورة القصص " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا فى الأرض ولا فسادا والغاقبة للمتقين " وبضدها تتبين الأشياء، وكما قال سبحانه فى سورة الفجر " وفرعون ذى الأوتاد، الذين طغوا فى البلاد، فأكثروا فيها الفساد " وإن من علامات هذا العلو والطغيان هو تطاول المفسدين على الضعفاء، وإنتهاك كرامتهم والتعدي على حقوقهم، كما قال الله عز وجل فى سورة القصص" إن فرعون علا فى الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحى نساءهم إنه كان من المفسدين " وأما عن الصفة الثانية، فهى زخرفة القول بالباطل فالمفسدون يتدثرون بحلاوة اللسان وزخرفة القول بالباطل، ليخدعوا الناس، ويلبسوا عليهم بتغيير الحقيقة ونكران الواقع، وادعاء الرأفة والرحمة بالخلق، وربما عقدوا الأيمان الكاذبة إمعانا في التلبيس والكذب، ولقد زادت قدرتهم في الخداع، والتلبيس بتعدد وسائل الإعلام المعاصرة.
التي أسهمت في تزييف الواقع وخداع الرأي العام، وإن من صفات المفسدين هو الصد عن سبيل الله فحال المفسدين الذين يزينون للناس الباطل ويصدونهم عن سبيل الحق، كمثل قطاع الطرق الذين يعترضون سبيل الناس ويسعون في الأرض فسادا، فقال الله تعالى في وصف هؤلاء المفسدين، كما جاء فى سورة الأعراف " ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين " وقال فيهم عز وجل كما جاء فى سورة النحل " الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون " وطرائق المفسدين في الصد عن سبيل الله تعالى تتنوع وتتجدد بتجدد الأماكن والأزمان، ويجمعهم وصف الله تعالى لهم في قوله جل شأنه، كما جاء فى سورة لقمان " ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين "
وكذلك وصف النبي صلى الله عليه وسلم في قوله " دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها " رواه البخاري، وأما الصفة الرابعة، فهى الغش والخيانة، فإن غش الأمة وخيانتها صفة ملازمة للمفسدين في جميع العصور والأمكنة،لأنهم لا أمانة لهم، ولهذا تراهم يتساقطون في دركات الخيانة وغش الأمة والمجتمع، لتحقيق مصالح شخصية مزعومة، وما أسهل أن يبيع المفسد دينه ويخون أمته، فقال الله تعالى مبينا لونا من ألوان الغش الذي يتميز به المفسدون وهو الغش الاقتصادي كما جاء فى سورة الشعراء " أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين، وزنوا بالقسطاط المستقيم، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا فى الأرض مفسدين " وقال الله عز وجل فى سورة هود " ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا فى الأرض مفسدين " وإن سياسة الكيل بمكيالين وبخس الناس أشياءهم، هى سياسة متجذرة في أخلاق
المفسدين.

تعليقات
إرسال تعليق