بقلم: محمد الشحات سلامة
محرر إعلامي وصحفي
في محكمة الوجود، يظل "الزمان" هو القاضي الصارم الذي يطوي تحت عباءته ملامح البشر، والمدن، والحضارات. يمرّ كإعصار صامت لا يترك خلفه سوى الآثار والشواهد. لكن، هل يستطيع هذا الكائن الهلامي، الذي يلتهم كل شيء، أن يطال تلك الجذوة المتقدة في أعماق الروح الإنسانية؟ هل يملك القدرة على إطفاء قناديل "الحب الحقيقي"؟
إن الإجابة عن هذه المعضلة الفلسفية لا تأتي من أروقة مختبرات العلم، بل تولد من رحم الكلمة الصادقة، ومن فيض الوجدان الذي يرفض الانكسار أمام حتمية الغياب والفناء.
حوارية الروح والوقت
حين يقف الكاتب أمام مرآة الأيام، لا يرى تجاعيد العمر بقدر ما يرى اتساع حدائق قلبه. وفي لحظة تجلٍّ وجداني، ينبثق حوار افتراضي، لكنه أعمق من الواقع، بين الذات الشاعرة والزمان:
لو مرَّ الزمانُ على حديقةِ قلبي
وسألني:
هل ما زال الحبُّ باقياً؟
لقلتُ له:
إنَّ بعضَ الحبِّ
وهجُه لا ينطفئ،
بل يزدادُ وجداً وهياماً
كلّما عبرتْهُ الفصول،
يبقى كعطرٍ خفيّ
عالِقاً في ذاكرةِ الريحِ
وأنفاسِ الحياة.
هنا، يتحول "الزمان" من هادم للذات إلى سائل مستفسر، يتحول إلى شاهد على خلود العاطفة. فالإنسان في هذا النص لا يستسلم لمرور "الفصول"، بل يجعل من الحب عطراً عصياً على التبخر، عالقاً في أثير الحياة وذاكرة الريح التي لا تموت.
"نجم سهيل".. بوصلة في عتمة الاغتراب
في الموروث العربي الأصيل، لم يكن "نجم سهيل" مجرد جرم سماوي يُستدل به في الصحاري، بل كان رمزاً للبشارة، والاهتداء، وتحول الفصول نحو الدفء والاعتدال. وعندما تشتد عتمة الليل والروح، يبرز الحبيب في هذا المقال كـ "سهيل الوجودي":
وكيفَ يغيبُ حبٌّ
وحبيبي كانَ في سماءِ روحي
كنجمِ سهيل،
يهتدي به قلبي
كلّما تاهَ في عتمةِ الليل.
وأمانةً يا زمان،
إن مررتَ بسموِّه،
فاحملْ إليهِ
من روحي السلام.
إن تحويل الزمان هنا إلى "ساعي بريد" يحمل السلام إلى "سموّ الحبيب"، هو ذروة الكبرياء العاطفي. فالكاتب لا يستجدي الزمان ليعيد له ما مضى، بل يفرض عليه احترام هذه المشاعر ونقل أمانة السلام، مؤكداً أن البعد الجغرافي أو الزمني لا يملك سلطاناً على أرواحٍ اهتدت ببعضها.
من الوهج العابر إلى "صلاة الروح"
إن الفارق الجوهري بين نزوات العاطفة العابرة وبين الحب الحقيقي الحامل لسمات الخلود، يكمن في تحول الأخير إلى طقس صوفي طاهر. الحب هنا ليس انفعالاً وقتياً، بل هو ركيزة وجودية تذوب أمامها ملامح السنين:
هو ليسَ وهجاً عابراً،
بل صلاةُ روحٍ
أوقدتْ قناديلَها في القلب،
فذابتْ أمامهُ ملامحُ العمر.
فالحبُّ الحقيقيُّ يا زمان,
لا يموتُ حين يغيبُ الأحبّة،
بل يتحوّلُ إلى أثرٍ سماويّ
يسكنُ القصائدَ،
ويزهرُ كلّما مرَّ الحنين.
وينتهي الحوار، لا بإنكسار أو وداع، بل بوعدٍ قاطع بالانتصار؛ لقاء آخر لا يشبه الغياب، حين تلتقي الأرواح بعطر العشق وتراتيل الحنين.
إشراقة شكر وبصيرة طاقية: تحية إلى أرز لبنان
إن هذا النص لم يكن ليمر كحروف عابرة، بل وجد صدى فكرياً ونفسياً استثنائياً حين تلاقت الرؤية الأدبية بالبصيرة العلمية. وهنا، لا بد من وقفة وفاء وتقدير نبعثها من ضفاف النيل إلى قمم أرز لبنان الشامخ، لتوأم الحرف والفكر؛ المستشارة والشاعرة القديرة أحلام أشرفي.
بصفتها متخصصة فذة في علوم الطاقة البشرية والبرمجة اللغوية العصبية، ومعالجة بالذكاء الإيحائي، لم تقرأ المستشارة أحلام أشرفي هذه القصيدة بعين شاعرة فحسب، بل غاصت في مكنوناتها النفسية، مفككةً أبعادها ومحولةً كلمات الحوار إلى شحنات طاقية من النور والوعي. لقد استطاعت بأسلوبها العلمي الرفيع ولمستها الإبداعية أن تبرز كيف يتحول "الأثر السماوي" في القصيدة إلى طاقة شفائية تمنح الروح القدرة على التسامي وتجاوز ألم الغياب الحسي، مؤكدةً برؤيتها الخبيرة أن تراتيل الحنين قادرة بالفعل على إعادة ترتيب طاقة الوجود.
إن هذا التناغم الثقافي والإنساني بين قلمنا الصحفي وبين فيض علمها ونبل مشاعرها، يثبت أن الإبداع الحقيقي هو الذي يجمع شتات الأرواح ويمنح النص عمقاً يتخطى حدود الجغرافيا.
خاتمة المقال:
إن هذا الإبحار الفلسفي، يرسل رسالة واضحة في عصرٍ تسارعت فيه الماديات وجفّت فيه المشاعر: إن الوفاء ليس ضعفاً، بل هو القوة الوحيدة التي نمتلكها لهزيمة الوقت.
عندما تلتقي الأرواح بعطر العشق، ويساند الفكر العلمي طاقة القصيد، يسقط قناع الزمان الصارم، ويعلن انكساره أمام أبديّة الحب الشريف. ستبقى الكلمات والقصائد -مدعومة بوعي المبدعين كالمستشارة أحلام أشرفي- هي الشاهد الحيّ على أننا مررنا من هنا، وأننا أحببنا بصدق، وأن الزمان -رغم جبروته- قد انحنى يوماً ليحمل سلامنا إلى من نحب.

تعليقات
إرسال تعليق