بقلم/ محمد الشحات سلامة
محرر إعلامي وصحفي
في مشهدٍ مهيب تفيض له القلوب خشوعاً، وتنهمر منه العيون دمعاً، ودّعت الأمة الإسلامية ثلة من الطاهرين الذين اصطفاهم الله سبحانه وتعالى لتكون نهاية رحلتهم الدنيوية في أقدس زمان ومكان. هناك، فوق صعيد عرفات الطاهر، وفي يوم الحج الأكبر، صعدت أرواحهم إلى بارئها وهم يرتدون ثياب الإحرام البيضاء، ملبين ومستغفرين، ليختموا حياتهم بأعظم خاتمة يتوق إليها وجدان كل مسلم على وجه الأرض.
تُظهر الصورة المؤثرة والمحفورة في ذاكرة القلوب "1000123979.jpg" جثامين الراحلين مسجاة في رداء أبيض طاهر، يحيط بهم جموع الحجيج في مشهد يجسد حقيقة الدنيا وزوالها، ويعكس في الوقت ذاته جلال الفوز برضا الله. إنها ليست مجرد جنازة، بل هي زفة مهيبة لأرواح طاهرة غادرتنا وهي في قمة صفائها الروحي، ملبية نداء الخالق: "لبيك اللهم لبيك".
أمنية تسكن قلب كل مسلم
إن الموت حق، ولكن الغبطة تكمن في "حسن الخاتمة". وما من مسلم صادق الإيمان على امتداد المعمورة إلا ويتحرق شوقاً ليتوفاه الله في مثل هذا الموقف العظيم. أن تلفظ أنفاسك الأخيرة وأنت واقف بين يدي الله على جبل الرحمة، في يوم يباهي الله به ملائكته، هي منزلة رفيعة لا ينالها إلا من ارتضاهم الحق واصطفاهم ليكونوا من وفده المقربين.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم في حق من يموت محصراً في الحج: "يُبْعَثُ يَومَ القِيَامَةِ مُلَبِّياً". ويا لها من بشرى عظيمة وعزاء يثلج صدور ذويهم؛ أن يبعث المرء يوم العرض الأكبر وشعاره التوحيد والتلبية، شامخاً بعبادته وطاعته.
مشهدٌ يجدد الإيمان
إن هذا الحدث الجلل، رغم ما يحمله من ألم الفراق لقلوب المحبين، إلا أنه يحمل في طياته رسالة إيمانية بليغة لكل أحياء الأرض. يذكرنا جميعاً بأن الحياة محطة عبور، وأن السعيد حقاً هو من يُحسن العمل ليحظى بمثل هذا الختام المبارك. هؤلاء الراحلون تركوا خلفهم ضجيج الدنيا ليجاوروا ربهم في أطهر بقاع الأرض، دافنين أجسادهم في ثرى مكة، ومحلقين بأرواحهم في جنات النعيم بإذن الله.
نسأل الله العلي القدير، بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، أن يتغمد هؤلاء الشهداء بواسع رحمته، وأن يتقبلهم في عليين مع النبيين والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. اللهم اغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وألهم أهلهم وذويهم الصبر والسلوان، وارزقنا جميعاً حسُن الخاتمة في خير زمان وأطهر مكان.

تعليقات
إرسال تعليق