القائمة الرئيسية

الصفحات

 بقلم


الكاتبة الصحفية مريم عوض 


في ناس داخلة حياة الناس بمبدأ “افرحي يا بنتي… اهو عريس وخلاص”، وكأنهم بيرموا حد في البحر ويقولوله اتعلم العوم بعدين، ناس شايفة البنت حمل لازم يتزحلق من البيت بأي طريقة، حتى لو على إيد شخص فاشل لا يعرف مسؤولية ولا يملك من الرجولة غير صوته العالي واستعراضه الكداب قدام الناس. يجرّوا البنت على جوازة ناقصة، ثم يقفوا يتفرجوا عليها وهي بتغرق، ولو اشتكت قالوا “استحملي”، ولو رفضت من البداية قالوا “متكبرة ومتأنتكة”. يا للعجب… نفس الوجوه اللي جايبة عريس لا يملك حلم ولا هدف ولا حتى احترام، هي نفسها اللي عاملة نفسها حكماء زمانهم، يقيسوا عمر البنات بالساعة، ويقيسوا قيمتهم بخاتم وشبكة وصورتين فرح.


يا من تمشون بين الناس وكأنكم وكلاء للأرزاق، هونوا عليكم قليلًا، فليست كل بنت تأخر زواجها ناقصة، وليست كل متزوجة سعيدة، وليس كل من طرق الباب يصلح أن يكون سندًا وعِشرة وعمرًا كاملًا. بعضكم لا يبحث عن راحة البنت ولا أمانها، بل يبحث عن إغلاق الملف فقط، “المهم تتجوز”، حتى لو كان العريس رجل كنبة، فارغ الروح، مكسور الطموح، لا يعرف من الشراكة سوى الأوامر، ومن الرجولة سوى الغيرة المريضة والسيطرة.


ويا للسخرية… حين ترفض البنت ذلك “التلصيمة” تبدأ حفلة الشماتة، تخرج الألسنة المسمومة من جحورها، “دي وحشة”، “دي شايفة نفسها”، “دي هتعنس”، وكأن الكرامة جريمة، وكأن من حق أي إنسان أن يرفض حياة لا تشبهه قد أصبح متهمًا في نظر مجتمع لا يرحم. مجتمع يصفق للزفاف ولو كان وراءه قلب يرتجف خوفًا، ويبكي على المطلقة ولو كانت قد نجت من جحيم حقيقي.


أنتم لا تخافون على البنات من الوحدة، أنتم تخافون من كلام الناس أكثر من خوفكم على مصير إنسانة قد تُدفن بالحياة مع شخص لا يشبهها، شخص يستهلك روحها كل يوم، ثم تطلبون منها الصبر وكأن عمرها لعبة. فخراب الروح ليس مشهدًا تراه الناس، لذلك لا يهمكم، أما الفستان الأبيض والزفة واللقطة أمام المعازيم فهذه هي بطولتكم المزيفة التي تتباهون بها.


كفاكم شماتة وكفاكم ضغطًا وكفاكم بيعًا للأوهام، فالجواز ليس سترًا حين يكون مع شخص يؤذي، وليس نجاة حين يكون مجرد هروب من لقب أو خوف. أحيانًا الجلوس بجوار الأهل بكرامة وأمان، أشرف ألف مرة من حياة كاملة مع عريس فاشل جاء فقط لأن المجتمع قرر أن أي رجل أفضل من انتظار الرجل الصحيح.


في الزمن ده بقى الجواز عند ناس كتير سباق مرعب، مش راحة ولا مودة ولا رحمة، بقى سباق مع العمر وكلام الناس ونظرات القرايب وأسئلة المجتمع اللي مبتخلصش، “إمتى نفرح بيكي؟”، “لسه؟”، “هتفوّتي القطر”، وكأن البنت مشروع مؤقت لازم يخلص قبل تاريخ صلاحية معين، وكأن الراجل مجرد لقب وخاتم وشبكة وصورة فرح على السوشيال ميديا، مش إنسان يتبني معاه عمر كامل. بقينا بنرمي نفسنا في الهلاك علشان نهرب من كلمة “عانس”، وكأن الوحدة الحقيقية مش إن البنت تتأخر في الجواز، الوحدة الحقيقية إنها تتجوز الشخص الغلط وتعيش عمرها كله بتحاول تهرب من قرار أخدته تحت ضغط وخوف وكسرة نفس.


“افرحي يا عروسة… أنا العريس”، جملة بقت تتقال وكأن وجود أي عريس معناه النجاة، طب أي عريس بالظبط؟ عريس جاي يعمل نفسه سي السيد وهو مش قادر يشيل مسؤولية نفسه؟ عريس عايز خدامة مش شريكة حياة؟ عريس كل أحلامه إنه يركن نفسه على الكنبة ويعيش دور الراجل بالصوت العالي والتحكم وبس؟ عريس شايف الجواز صفقة وشكل اجتماعي قدام الناس؟ ولا عريس داخل الحياة وهو فاكر إن الست مطالبة تتحمل كل حاجة وتسكت علشان “ضل راجل ولا ضل حيطة”؟ بقت الجملة تتقال للبنت وكأنها لازم تفرح بأي حد، أي حد وخلاص، المهم نلحق العمر قبل ما الناس تفتح بقها، قبل ما الجيران يهمسوا، قبل ما القرايب يشمتوا.


المشكلة إن المجتمع عمره ما كان رحيم، نفس الناس اللي تضغط عليكي النهارده علشان تتجوزي، هي أول ناس هتتفرج عليكي وانتي بتتبهدلي بكرة لو الجوازة طلعت جحيم، أول ناس هتقولك “استحملي”، “كل البيوت فيها مشاكل”، “علشان العيال”، نفس الناس اللي كانوا بيجرّوكي للجواز هي نفسهم اللي هيسيبوا روحك تتكسر واحدة واحدة وانتي بتحاولي تكملي في علاقة ميتة بس علشان صورة قدام الناس. المجتمع بيحب المنظر، يحب الفستان الأبيض والفرح والزغاريط، لكن محدش بيسأل بعد سنة ولا اتنين البنت دي نامت كام ليلة وهي بتعيط؟ حسّت بالأمان ولا لأ؟ اتجوزت راجل يحتويها ولا مجرد اسم راجل وخلاص؟


بقينا نقيس قيمة العريس بحجم ممتلكاته، عربيته موديل كام، شقته فين، مرتبه كام، أهله معاهم فلوس قد إيه، وكأن الأخلاق بقت رفاهية إضافية، وكأن الاحترام والرحمة والحنية بقوا تفاصيل صغيرة وسط جنون المظاهر. وفي ناس أغنياء جدًا لكن بخلاء في المشاعر والأخلاق والاهتمام، ناس معاها فلوس تشتري الدنيا لكن كلمة طيبة على قلب اللي معاهم لا، ناس تقدر تجيب شبكة بالألوف لكن تعجز تحسس الست اللي معاهم إنها إنسانة ليها قيمة. الفرح الحقيقي عمره ما كان بالنجف والكوشة وعدد المعازيم، الفرح الحقيقي إنك تبقي مطمنة، مطمنة وإنتي نايمة، مطمنة من كلمة جارحة، من خيانة، من تقليل، من رجل شايف نفسه عليكي لمجرد إنه “اتجوزك”.


الوجع الأكبر إن المقارنات مبتخلصش، “فلانة اتجوزت بدري”، “فلانة خلفت”، “فلانة جوزها جابلها عربية”، وكأننا في سباق خيل مش حياة بشر. محدش فاهم إن كل حاجة رزق ونصيب وتوقيت، وإن اللي اتأخر عندك ممكن يكون رحمة، وإن اللي الناس شايفاه نجاح ممكن يكون كارثة مستخبية ورا باب مقفول. إحنا بقينا شاطرين جدًا في الشماتة، شاطرين في كسر بعض بالكلام، خصوصًا الناس القريبة اللي المفروض تبقى سند، تلاقي أكتر حد يوجعك هو الشخص اللي وثقتي فيه، القريب اللي كل همه يثبتلك إنك ناقصة علشان لسه متجوزتيش، وإن قيمتك متوقفة على وجود راجل في حياتك.


ولو رفضتي عريس علشان مش مرتاحة، تبدأ حفلة التشويه، “متأنتكة”، “شايفة نفسها”، “هي فاكرة نفسها مين”، “دي مش هتلاقي بعد كده”، وفجأة البنت اللي من حقها تختار تبقى متهمة، وكأن القبول النفسي والراحة والاطمئنان بقوا دلع.


 مع إن الجواز مش لعبة ولا قرار يومين، الجواز عمر كامل، شراكة طويلة، مرض وصحة، ضيق وفرح، سقوط وقيام، مينفعش تدخليه علشان تهربي من لقب أو خوف أو ضغط. مينفعش ترتبطي بحد لمجرد إن الوقت بيجري، لأن الوقت اللي هيعدي وانتي مع الشخص الغلط هيكون أوجع ألف مرة من أي تأخير.


“يا واخد القرد على ماله، بكره يغور المال ويفضل القرد على حاله”، مثل شعبي بسيط لكنه حقيقي جدًا، لأن الفلوس ممكن تروح، المنصب ممكن يضيع، العربية ممكن تتباع، لكن الأصل والتربية والأخلاق هما اللي بيفضلوا. اللي هيعيش معاكي العمر مش حسابه في البنك، اللي هيعيش معاكي هو طبعه وقت الغضب، أخلاقه وقت الخلاف، احترامه لأهلك، خوفه عليكي، طريقته في الكلام، إحساسه بالأمان والمسؤولية. العِشرة مبتتبنيش بالرخامة والتقليل والتحكم، العِشرة بتتبني بالقبول والرحمة.


الجواز مش بالشبكة ولا الفيلا ولا الوظيفة المرموقة، ومش بعزوة الراجل وعدد الناس اللي وراه، لأن في رجالة وسط ألف شخص لكن وقت الشدة ميطلعوش راجل واحد، وفي راجل بسيط لكنه يسندك بكل قوته ويحارب علشانك ويحافظ على كرامتك قبل أي شيء. واللي يعقد معاكي فعلًا هو أصله وتربيته، لأن الإنسان المتربي يبان في التفاصيل الصغيرة، في احترامه، في طريقته وقت الزعل، في خوفه إنه يكسرك، أما اللي متربيش مهما كان غني أو متعلم هيطلع وجعه بعد الجواز، لأن “اللي من تحت السواهي دواهي”، والتمثيل عمره ما بيدوم.


والمؤلم فعلًا إن ناس كتير شايفة إن الحياة كلها جواز وخلفه وبس، وكأن البنت لو مقعدتش جنب طفل تبقى ناقصة، مع إن الحياة أوسع من كده بكتير، الإنسان ممكن ينجح ويعيش ويحقق ويحلم ويسافر ويشتغل ويكون له قيمة بعيد عن الجواز. أيوه الجواز سنة الحياة، لكن مش أي جواز، مش تلصيمة وخلاص، مش مجرد ورقة وصور وفرح وعدى، الجواز الحقيقي مع الشخص اللي يقدّرك، اللي يشوفك إنسانة كاملة مش مشروع خدمة، اللي يحتوي ضعفك ويحترم قوتك، اللي يشيل معاكي مش يرمي الحمل كله عليكي.


في بنات اتجوزت بدري جدًا لكن كبرت ألف سنة من الوجع، وفي بنات اتأخروا لكن ربنا عوضهم براحة وسند حقيقي.


 الفكرة مش إمتى، الفكرة مع مين. لأن أسوأ شعور في الدنيا إنك تبقي عايشة مع شخص يخليكي تحسي إنك وحيدة رغم وجوده، وإنك غريبة في بيت المفروض أمانك. الحياة مش بطولة في الاستحمال، ومش شطارة إنك تكملي وانتي مكسورة من جواكي، الشطارة الحقيقية إنك تعرفي قيمتك، تعرفي إنك تستاهلي حب حقيقي ورحمة وأمان، وإن الجواز مش إنقاذ اجتماعي من كلمة “عانس”، الجواز مشاركة روحين قادرين يعيشوا الحياة مع بعض بصدق ورحمة.


افرحي يا عروسة… لكن افرحي بالعريس اللي قلبه نضيف، اللي يشوفك رزق مش حمل، اللي يحبك وقت ضعفك قبل قوتك، اللي يحترم أهلك ويحافظ على كرامتك، اللي يكون راجل فعلًا وقت الشدة مش مجرد لقب بيتقال قدام الناس.


 افرحي بالشخص اللي لما تبصي معاه للمستقبل متخافيش، اللي وجوده يطمنك مش يرعبك، اللي يخليكي تحسي إنك كسبتي سند مش قيد جديد. أما أي جواز معمول علشان نهرب من كلام الناس، فهو بداية وجع طويل جدًا… لأن كلام الناس لا بيقدم ولا بيأخر، لكن القرار الغلط ممكن يسرق عمر كامل من إنسان كان كل ذنبه إنه خاف يبقى وحده، فنط في النار بإيده.

تعليقات