الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني
دولة الجزائر
قراءة سوسيولوجية نفسية.
لماذا يعتقد كلّ فرد أو جماعة متديّنة أنها وحدها صاحبة الحقّ المطلق في النجاة، وأنّها وحدها المؤمنة المنصورة المصطفاة، بينما الآخرون خاسرون؟ وهذا اليقين يتكرّر خصوصا عند اليهود والأعراب، ليصل إلى درجة اليقين المطلق وكأنّ الخلاص ملك حصري لفئة بعينها.
ما الذي يصل بهذه الجماعات إلى هذا الحدّ من الثقة؟ إلى درجة لا يبقى فيها شكّ، وكأنّها تمتلك الحقيقة النهائية؛ ووحدها على الحقّ، وأنّ الله معها، وأن الجنّة مصيرها المحتوم على أيّة حال؟
في هذه القراءة سنفكّك هذا البناء عبر عرض سلسلة من النماذج المتقابلة و"المثالية ". والهدف النهائي هو إظهار الآلية العميقة؛ أنّ كل طرف يصنع "ربّه المتعاطف ويقينه الأخلاقي الخاصّ"، ويؤسّس داخله «جنّة ذهنية» وقوانين تبرّر أفعاله وتمنحه شعور الاستحقاق النهائي.
الأمر يتجاوز الاعتقاد، ليصبح في كثير من السياقات عبارة عن ممارسة عنف رمزي ومادي؛ حيث يقتل كلّ طرف الآخر وهو يعتقد جازما أنّه ينفّذ إرادة الله، وأنّه على الطريق الصحيح، وأنّ الجنّة تنتظره.
فلننظر في واقعهم؛ ما الذي يجعلهم يشعرون بهكذا شعور؟
ومن هنا يبدأ المشهد الأكثر صدمة؛ وهو القتل بـ"اسم الله". فالشيعي يقتل السنّي وهو متيقّن أنّه على الحقّ، وأنّ جماعته هي الناجية. والمسلم يقتل غيره من أصحاب الديانات أو المذاهب وهو متيقّن أنّ الله معه. والملحد الآخر يقتل بدوره المؤمن وهو متيقّن بالمبدأ ذاته.
وفي المقابل، المقتول يغادر العالم وهو يعتبر نفسه شهيدا؛ يقول: « الشهادة »، ويعتقد أنّ موته ختم بالشهادة والفوز نهائيّ للنجاة. هنا النتيجة نفسها. القاتل يقتل باسم الله ويرى نفسه صادقا وناجيا، والمقتول وهو يذكر الشهادة يرى نفسه ناجيا في سبيل الله.
،؛، كلّ طرف يخرج من الفعل الدمويّ وهو يحمل « الجنّة كمأوى داخلي يستحقّه في النهاية» مع كامل التبرير. ،؛،
ثم ننتقل إلى السلطة. الحاكم أيّا كان انتماؤه، مسلما أو يهوديا أو مسيحيا؛ يسجن، يجوّع، يقمع، ويبرّر ذلك باعتباره ضرورة لضبط المجتمع والسيطرة عليه لمنع الفوضى. يرى أن الطاعة واجبة، وأنّ من وجهة نظره الخروج عليه تهديد للدين والنظام. وليس من طاعة الله ولا من طاعة رسوله، وأنه من أصحاب الجنّة في الأخير. وقد يستند إلى الأحاديث المنسوبة إلى النبي مثلا؛ "يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَـهْتَدُونَ بِـهُدَايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُـثْمَــانِ إِنْسٍ، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ الله إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟، قَالَ: تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ؛ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ".
وفي المقابل، الرّعية ترى نفسها في الجنّة في الأخير، إذا كانت مقاومة للظلم، متمسّكة بالحقّ، وأنّ مواجهة الحاكم؛ الطّاغية، الفاسق، الظالم، والزاني، إذ الخروج على حكمه يعدّ نصرة لله ورسوله.
هكذا يتكرّر التناقض ذاته؛ الحاكم يعتقد أنه يحفظ الدين، والمعارض يعتقد أنه يحفظ الدين، وكلاهما يتحدّث باسم الله ويضمن لنفسه موقعا في الجنّة.
أما القاضي الذي يأخذ الرشوة يرى نفسه أنه خفّف عقوبة، أو أنقذ إنسانا مسكينا من الإعدام أو السجن، بحيث اعتبره مصير قاسي عليه. فيبرّر فعله بمثابة الرحمة أو اجتهادا، ولا يرى أنه فاسدا بالضرورة، وفي نظره أنه فعل صوابا. وإذا وقف أمام الله فسيقول إنّه أخذ مالا، لكنّه خفّف عن عبد من عباد الله. وفي اليوم نفسه، يؤدّي صلاته جماعة في المسجد ويغادر المحكمة مطمئنا إلى صورته الأخلاقية.
وفي المقابل، المظلوم يرى نفسه صاحب حقّ مسلوب، ويرى أنّ هذا القاضي ظالم، وتجرّأ على أحكام الله وشرعه، وأن دعاءه وعدل الله سيعوضانه بالجنّة، وبالتالي هو أيضا ناج.
أما الراشي، فيرى أنه اضطرّ لدفع الرشوة للنفاذ بجلده، وأن توبته القادمة كفيلة بمحو فعله، فهو مؤمن أنّه ببعض التسبيحات، أو ببعض الأدعية، أو بأن يصوم أو يصلّي ركعتين أو ثلاثة، فإنّ الله سيغفر له، وبالتّالي سيكون من أهل الجنّة.
هنا تتوزّع الجريمة بين ثلاثة يقينيات مختلفة، وكلّ واحد منها ينتهي إلى النتيجة نفسها؛ "استحقاق الجنّة".
ثم نمرّ إلى العاصي والتائب.
متعاطي الخمر يشرب، ثم عندما يستفيق صباحا يتوضأ ويصلي، ثمّ يخرج إلى عمله، ويعتقد أن الحسنة تمحو السيئة وأنّ الله غفور رحيم.
مدمن المخدرات يتعاطى وهو يكرّر التسبيح، نفس الفعل؛ ارتكاب المعصية ثم تبرير ثم تطهير رمزيّ سريع.
المنطق ذاته يتوالى؛ الفعل يمحى لاحقا بعبادة حركية سريعة ولا يُحاسَب بمدى خطورة معصيته.
ثمّ نذهب إلى نموذج الزانية؛
فتقول في تبريراتها أنها زنت لأن ظروفها وحالتها النفسيّة في تلك اللحظة لم تكن جيدة، فاضطرّت لتزني مع بعض الرجال؛ عشر أو عشرون أو ثلاثون شخصا، ثم اغتسلت، وصلّت بعض الركعات أو أنّها أطعمت أو سقت كلبا أو قطة أو أحسنت إلى جارة وأخرجت معروفا، فهي تابت توبة شكلية وتعتقد أن الله تاب عليها، وبما أن الناس لم تسمع بما أحدثت، لأنها لم تجاهر بمعصيتها. صحيح أنها زنت، لكنها لم تجاهر بذلك، وفعلتها في الخفاء وأن الله يحبّ الستر، وبالتالي ما دام الفعل لم يكشف، وما دامت هناك حسنة لاحقة، فالمعادلة محسومة والجنّة ستكون من نصيبها. وقد تستعين هي أيضا بالأحاديث المنسوبة إلى النبي؛ "كلُّ أُمَّتي مُعافًى إلا المجاهرين، وإنَّ من الجِهارِ أن يعملَ الرجلُ بالليلِ عملًا ثم يُصبِحُ وقد ستره اللهُ تعالى فيقولُ: عملتُ البارحةَ كذا وكذا، وقد بات يسترُه ربُّه، ويُصبِحُ يكشفُ سِترَ اللهِ عنه".
ثم نأتي إلى المال العام والحقوق؛ من يأكل أموال الناس أو الميراث أو حقوق اليتامى يبرّر ذلك بالحاجة أو الاستثمار أو الضيق. وهكذا جمع هذه الثروة وفعلا قام بمشاريعه وبعد أن كانت تجارته رابحة، قام بتدوير الفعل لاحقا عبر حجّ أو صدقة أو عبادة، ليصل إلى نتيجة واحدة؛ محو كامل لما اقترفه من معاصي.
ثم نمرّ إلى الانحرافات القصوى وأشكال الانتهاك الأخلاقي كـ"زنا المحارم"، ومن يرتكبون الفواحش والمحرّمات وهم "الشواذّ والمتلوّطين''، يظهر نفس البناء؛ تبرير، ثم توبة شكلية، ثم يقين بالنجاة.
وتجد في المقابل جريمة الزنى “خطّة عائلية” متكاملة؛ الأب المصون يعتدي على بناته، ثم بعد أن يسلبهن شرفهن ويحطّم أرواحهن، يعاملهن كأنهن نفايات يجب التخلّص منها بأسرع طريقة ممكنة. فيعدهن بأزواج “يسترون” فضيحته، وكأنّ الستر صار وسيلة لدفن الجريمة لا لمواجهة الظلم. فتراهن يمنحنه الأمان والثقة ويقفن خلفه بكل بساطة لأنه مخلّصهن الوفيّ،
ثم يختار رجالا فاسدين مثلَه، مارس معهم سابقا الشذوذ والانحراف بكل قبح، ليكتمل المشهد العبثي، الجميع يعرف الحقيقة، والجميع يمثّل دور الطهارة أمام الناس. وبعد اتقان تمثيلية زواج الستر؛ يضحك عليهن وهو يرى كيف قمامته تتجمّع في "حاوية مكبّ القذورات"، ثم يدعوهن إلى البيت مجدّدا ليكرّر معهن ما كان يفعله وهذه المرّة بدنائة
أبشع من السابق، حيث يلازمن سريره العفن بمحبّة ويحملن منه، والأطفال ينسبون إلى أزواج شاذّين لا علاقة لهم بالحقيقة، لتكتمل مسرحية العار والستر، بينما كل أفراد الأسرة يردّد بثقة: “الشيطان الرجيم أغواهم فحسب”، وأنهن سترن أنفسهن خوفا من كلام الناس القبيح ثم الله واسع المغفرة.
وكأن الغفران صار تصريحا مفتوحا لارتكاب أبشع الجرائم، لا بابا للتوبة الصادقة وردّ المظالم. ثم يقومون معا يصلّون "الفجور جماعة".. عفوا أعني "صلاة الفجر جماعة" أمام العائلة والعالم، كي يظلّلوا الناس وهم يظنّون أن بعض الطقوس الدينية كافية لدخول الجنّة ولمسح كل هذا الخراب الأخلاقي والإنساني.
المصيبة ليست فقط في الجريمة، ولكن في تحويل الدين والستر والكلمات المقدّسة إلى أقنعة تُلبس فوق القبح، حتى يقتنع المجرم أنه ضحية، وتقتنع الضحية أن الصمت فضيلة.
فيقول في نفسه إنّه ارتكب اعتداءات قديما على المحارم في محيطه الأسري، ثم توقّف عن ذلك في نطاق العائلة وبدأ يمارس الفاحشة خارجها، وكأنّه في تصوّره الشخصي قد «خرج من الدائرة». ثمّ يزوّج أبناءه، ويقول إنّه أدّى ما عليه، وإنّهم أصبحوا الآن في بيوت أخرى، وكأنّ العلاقة الشنيعة والمسؤولية قد انتهت بانفصالهم عن المجال العائلي.
ثمّ بعد ذلك يتوضّأ، ويصلّي في الصفّوف الأوّلى، ويرى أنّ هذه الصلاة تجعل الله ينظر إليه بعين الرحمة. ثمّ يعود في اليوم التالي إلى الفعل نفسه، وربّما يعتدي مجدّدا على بعض الأطفال، حتى يصبح الأمر بالنسبة إليه مجرّد عادة متكرّرة أو سلوك روتيني. ويرى أنّ الله رحيم بعباده، وأنّه ضعيف لا يستطيع مقاومة رغباته، وأنّ هذا الأمر صار جزءا من حياته وطبيعته، ولذلك ينظر إلى نفسه أيضا على أنّه من أهل الجنّة، وأنّ الله سيتوب عليه ويتغمّده بالرأفة.
وأولئك الذين تعرّضوا لزنا المحارم داخل محيطهم الأسري، وهم واعون بما جرى لهم، ثمّ انتقلوا لاحقا إلى عائلات أخرى وتزوّجوا فيها، قد يختارون إخفاء الحقيقة عن محيطهم الجديد، بدافع الخوف أو الرغبة في استمرار الحياة الاجتماعية، فيتعاملون مع الأمر باعتباره عبئا صامتا أو «تفصيلا مؤلما» يطوى ولا يجب التصريح به. ثمّ تنشأ أسر جديدة، ويرزق أصحابها بأبناء زنى، وينشأ جيل جديد متّسخ في ظلّ وقائع لم تكشف، قبل أن تتفرّع الحياة إلى مسارات تبدو منفصلة ظاهريا، رغم أنّ أولئك الأبناء الذين ولد بعضهم في ظروف غير شرعيّة، ثمّ يصبح لهم بدورهم عائلات وحياة خاصّة بهم.
ويطرح سؤال متكرّر؛ ما ذنب الأبناء فيما حدث؟ وهنا تتكوّن سردية تبريرية أخرى؛ إذ يعتقد أغلبهم أنّ إخفاء الحقيقة نوع من «الستر»، وأنّ الستر قيمة دينية مطلقة، فيختصرون فاحشة زنا المحارم في فكرة أنّ المجاهرة بالمعصية لا في وقوعها، والتجاوز عنها قابل لمحوها. ترى المرأة أنّها سترت نفسها، ويرى ذلك الشاب أنّه كذلك ستر نفسه، فيستقرّ داخلهم شعور بالاطمئنان، وكأنّ ذلك يفتح باب النجاة دون مساءلة حقيقية.
عندما ننظر إلى تمثّلات الجماعات المختلفة، فنجد أنّ اليهودي من وجهة نظره، يمسك فلسطينيا ويعذّبه ويقتله ثم يسلخه، فهو يرى أنّ ذلك الإنسان ليس من قومه ولا من بني جلدته، بل يعدّه من «الأمميّين» أو من خارج جماعته، ولذلك يعتقد أنّه لم يقتل إنسانا من أهله، ولكن قضى على من يراه عدوّا وأدنى منزلة من الإنسان. ومن هذا المنطلق يتوهّم أنّ فعله يرضي الله ويرضيه هو أيضا، ولذلك يكون مقتنعا أنّه من أهل الجنّة. ثمّ نمرّ إلى المسيحي، فنجد أغلبهم يقول إنّه وإن شرب الخمر أو قصّر في العبادة، فإنّ المسيح سيتحمّل عنه ذنوبه، وأنّه هو من سيفتدي المؤمنين منهم ويحمل خطاياهم، وسيشفع لهم عند الله بطلب المغفرة لهم، ولذلك يعتقد أنّه من أهل الجنّة ما دام يؤمن بالمسيح ويسير تحت رايته.
ثمّ نذهب إلى الهندوسيّين، وإلى بعض أتباع الديانات الأخرى كالمجوسيّة أو الزرادشتيّة، فنجد أنّ لكلّ جماعة تصوّرها الخاصّ للخلاص والتطهّر. فأغلبهم يرى أنّ النار رمز للطهارة، وأنّها حين تحرق الجسد بعد الموت فإنّها تطهّر الإنسان ممّا ارتكبه، ولذلك يشعر باليقين أنّه سينجو أو يصل إلى الخلاص مهما كانت أفعاله في الدنيا.
وهكذا، وعلى اختلاف البنى العقائدية، يتكرّر نمط واحد؛ الجميع يرى نفسه من أهل الجنّة.
وحتى إبليس نفسه يقول إنّه لم يعص الله لأنّه رفض السجود لآدم باعتباره بشرا، وأنّه كان يسجد لله وحده. ثمّ إنّه يوم القيامة سيتبرّأ من أتباعه ويقول إنّه لم يجبرهم على شيء، وإنّما دعاهم فقط فاستجابوا له، وهذا مذكور في القرآن ويقرأ الناس تلك الآيات جميعا. ولذلك حتى إبليس نفسه يطمع في رحمة الله ويرى أنّه سينجو في النهاية. وبهذا المنطق، يصبح كلّ واحد قادرا على أن يجد لنفسه تبريرا، مهما كانت أفعاله، ويرى أنّه في النهاية من أهل النجاة.
من هذا المنطلق، تتكوّن لديهم تصوّرات يومية مفادها أنّ ما وقع في الماضي يمكن تجاوزه سريعا، وأنّ الغد تبدأ صفحة جديدة تنفصل كليا عمّا سبق. ويطرحون عندها سؤالا استنكاريا حول تذكير الأنبياء الناس بذنوبهم ومعاصيهم أصلا، وما وظيفة التحذير إذا كان الإنسان قادرا على محو أثر معصيته عبر بعض الحسنات من بعض الأعمال اللاحقة، أو عبارات التوبة السريعة ثمّ ينتهي الأمر؟
ومن هنا تظهر مفارقة لافتة أخرى عند الناس: أنّ «الأشرار» الحقيقيّين هم الذين يذكّرون الآخرين بأخطائهم، أو يحذّرونهم من العواقب وهي دخولهم جهنم، أو يقفون أمام شهواتهم وأفعالهم. فإذا جاء مؤمن ونصح آخر بأنّ الظلم أو القتل أو الفساد قد يقود إلى العقاب، فإنّ الجميع يراه مصدر إزعاج أو تشدّد أو قسوة أو تضييق.
ثمّ يصل التفكير عند بعضهم إلى أنّه مهما ارتكب الإنسان من فواحش، من قتل أو ظلم أو اعتداء أو اغتصاب أو زنا المحارم، فيجب دائما النظر إليه على أنّه «ضعيف» أو «ضحيّة»، وأنّ المطلوب فقط احتواؤه وتطمينه، وكأنّ مجرّد تقليل الشرّ أو التخفيف منه يكفي لمحو كلّ ما سبق، وفي الأخير سيدخل الجنّة وحتى وإن اغتصب كل هؤلاء الأطفال فليتأكد أنه في الأخير من أهل الجنّة بما أنه بدل العشرين طفلا، فقط أصبح يغتصب الآن إلّا خمسة أو ستة؛ يعني أنه قدّم معروفا للإله والأمّة جمعاء.
ولهذا نجد كلّ جماعة تبني لنفسها تصوّرا خاصّا للخلاص؛ فاليهود يرون أن الله ظالم ومخطئ وأنه يندم في الأخير كونه يعذّب شعبه المختار، والمسيحيّين يرون أنّ الفداء يكفي للنجاة، والمسلمين يظنّون أنّه مجرّد النطق بالشهادة أو أداء بعض الشعائر كشراء أضحية العيد السمينة وأكل اللحم الطري يضمن لهم النجاة مهما فعلوا، دون النظر إلى حقيقة الأعمال والحقوق والنيّات والتوبة الصادقة. فتجد من يقول إنه نعم أخطأ، أو ظلم، أو أكل أموال اليتامي والميراث والناس، أو ارتكب ذنبا عظيما كاللواط وزنا المحارم. أو قتل أخته وذبحها لأنها لم تتزوج بابن عمها أو أنها لم تسمح له أن يمارس عليها، نعم ذبحها ولكنه تاب من بعدها وأصلح وتزوج بأخرى وقام بمراسيم الدفن وأطعم الطعام وتصدّق عليها بعد موتها. فما الذنب هنا؟ بما أنه أدّى مناسك الحجّ، أو تصدّق، أو صلّى على محمد، وبالتالي يجب أن يغفر له. وإذا لم يغفر الله له، شعر وكأنّه قد ظُلِم، وإذا لم يغفر له الله سيغير دينه ويدخل في شريعة أخرى؛ المسيحية أو اليهودية لأن ربّهم لا يضيّق عليهم السبل.
وعليه، عند التأمّل في أنماط التفكير السائدة لدى كثير من الأفراد داخل المجتمعات الدينية والاجتماعية، يتجلّى ميل واضح إلى بناء صورة ذاتية تجعل الإنسان في موقع الضحية أو المظلوم. ومن هذا الموقع النفسي، تتبلور قناعة داخلية بأنّ ما تمّ القيام به من أعمال كاف لتحقيق النجاة، بل وكاف للوصول إلى أعلى درجات المغفرة دون مساءلة عميقة أو مراجعة حقيقية. كما تتجذر صور الآخرة مكتملة التفاصيل عن النعيم الأبدي والجزاء، والراحة والطمأنينة والجزاء الحسي والمعنوي، فيعتقد أغلبهم أنّهم سيُرزقون بالحور العين، ويجلسون تحت ظلال الأشجار التي «يسير الراكب تحت ظلّها ألف عام»، وأنّ الملائكة ستحفّهم، وتقدّم لهم الشراب في الأباريق والكؤوس الفضيّة. ولذلك تراهم على يقين تامّ أنّه لا أحد سيُزحزحهم عن الجنّة.
وفي هذا الإطار، فإن أهل الديانات جميعا، وكلّ البشر تقريبا، يرون أنفسهم مظلومين لا أشرارا، ويرون أنّ ما وقع منهم كان بسبب الظروف القاسيّة أو الضعف أو نزوة في لحظة عابرة، ثمّ فعلوا بعد ذلك بعض الأعمال التي يظنّون أنّها تكفي لمحو كلّ الكبائر والموبقات والمعاصي التي اقترفوها طوال أعمارهم، ويقولون إنّ على الإله أن يتغمّدهم برحمته لأنّ «رحمته سبقت غضبه»، فبحسب هذا المنطق تصبح الجنّة ممتلئة بالجميع؛ هم وأهلهم وأطفالهم وكلّ ما يحبّونه وحتى إبليس معهم فيها.
وعند هذه النقطة، ووفق هذا المنطق الذي يبرّر كلّ شيء، يصبح السؤال معكوسا؛ إذا كان الجميع متيقّنين من النجاة ويرون أنفسهم من أهل الرحمة والمغفرة والجنّة، فمن إذن سيدخل جهنّم؟
وقد يصل الأمر ببعضهم إلى تأويل النصوص تأويلا يخدم هذا التصوّر، كاستحضار حديث نبوي يقول؛ "لا تَزالُ جَهَنَّمُ تَقولُ: هل مِن مَزيدٍ، حتَّى يَضَعَ فيها رَبُّ العِزَّةِ تَبارَك وتَعالى قدَمَه، فتَقولُ: قَطْ قَطْ وعِزَّتِك، ويُزوى بَعضُها إلى بَعضٍ". فيؤوّلونها تأويلا سطحيّا، ليقولوا إنّ الله نفسه سيضع رجله بداخلها وبالتالي هو من سيدخل النار.
ثمّ يرون ـ من زاويتهم ـ أنّ الأنبياء والرسل والمؤمنين والصالحين هم «المتشدّدون» أو «ضيّقو الأفق»، لأنّهم يذكّرون الناس بعقوبة اقتراف الذنوب والمعاصي، وينهون عن المنكر، ويحذّرون من العواقب، ولا يتركون الإنسان يفعل ما يشاء دون حساب. ولذلك يصبح من يدعو إلى المسؤولية الأخلاقية وكأنّه «الشرير» في نظر من يريد التحرّر من كلّ قيد.
وما يستخلص من هذا الطرح أنّ الإنسان قد يصل إلى مرحلة يجعل فيها نفسه المرجع الأعلى؛ فيقرّر وحده متى يذنب، ومتى يتوب، وما الذي يستحقّ المغفرة، وكأنّ الجنّة حقّ مضمون له مهما فعل. ومن يعترض على هذا الاعتقاد، أو يقول إنّ المعاصي لها تبعات وإنّ الحساب قائم، يتّهم بالقسوة أو التشدّد.
ومن هنا نطرح سؤالا جدليّا؛ هل الجنّة التي يتصوّرها هؤلاء هي فعلا الجنّة التي وعد الله بها المتّقين؟ أم أنّهم يطلبون «جنّة» تلغى فيها العدالة والمحاسبة والحقائق الأخلاقيّة؟
وإذا كانوا يرون كلّ تحذير أو نهي أو تذكير بالنّار نوعا من الشرّ والتضييق، فهل انقلبت المفاهيم عندهم حتى صاروا يعدّون ما هو هلاك نجاة، وما هو نجاة هلاكا؟
ولهذا جاء الاستشهاد بحديث الدجّال الذي يلبّس الحقّ بالباطل، ويجعل ما يبدو جنّة نارا، وما يبدو نارا جنّة؛ "ألَا أُحَدِّثُكُمْ حديْثًا عنِ الدَّجَّالِ، ما حدَّثَ بِهِ نَبِيٌّ قَبْلِي قَوْمَهُ؟ إِنَّه أعورُ يَجيءُ معه تِمثالُ الجنةِ والنارِ، فالتي يقولُ إِنَّها الجنةُ هِيَ النارُ، وإِنَّي أَنْذَرْتُكُمُ بِهِ كما أَنَذَرَ بِهِ نوحٌ قومَهُ."
،؛، وعليه أقول؛ إنّ الّذين يصرّون على تبرير كلّ شيء، يجعلون الذنب حقّ، والمعصية ما هي إلّا ضعف عابر، ويجعلون الجنّة وعدا كان مفعولا مهما عصوا، إنّما يسيرون نحو «جنّة الدجّال»؛ تبدو في ظاهرها رحمة وراحة وحرّيّة بلا حساب، لكنّها في حقيقتها نار. أمّا الطريق الّذي يراه هؤلاء قاسيّا، طريق الأنبياء والحقّ والمحاسبة والصدق مع النّفس، فهو الطريق الّذي يقود إلى جنّة الله الحقيقيّة ورضوانه لعباده الصّالحين. ،؛،
وعليه، حقا أقول لكم:
على الحكومات الواعية أن تمنع القطيع من معرفة حدود ما أنزل الله كليا.
لأنه حين تقع التعاليم والأحكام والحدود الدينية في أيدي أجيال فاسدة، تتحوّل من وسيلة لإقامة العدل وحفظ الكرامة إلى مطيّة رخيصة للتغطية على أبشع الجرائم في حقّ الإنسانية.
فيصبح الدين عندهم ستارا لا ضميرا، ووسيلة نجاة من الفضيحة لا طريقا إلى الحق. يلوحون بالمغفرة ليهربوا من المحاسبة، ويتحدّثون عن الستر وهم يدفنون الضحايا أحياء تحت صمت مقدّس.
وحين تستخدم النصوص لخدمة الشهوات والمصالح، لا يعود الدين نورا يهدي الناس، ولكن يغدو في أيدي المنحرفين لعبة قذرة
يغسلون بها سمعتهم، ويبرّرون بها جرائمهم، ويقنعون أنفسهم أن بعض الطقوس كفيلة بمحو كل ذلك السواد.
لهذا، فالمصيبة في العقول التي حوّلت التعاليم إلى أدوات للتحايل، حتى صار المجرم يتحدّث بلسان الواعظ، والضحية تقنع نفسها أن السكوت على المعصية طاعة.

تعليقات
إرسال تعليق