القائمة الرئيسية

الصفحات

المواجهة الأمنية أم الفكرية

 


بقلم/ محمد جابر

الممر مئة وسبعة وعشرون


لم تعد المعارك الحديثة تخاض بالسلاح حيث أصبحت العقول هي الساحة الأخطر في الصراع فمع اتساع المنصات الإعلامية وتعدد وسائل التواصل الاجتماعي تحولت الكلمة والصورة والخطاب الدعائي إلى أدوات قادرة على إعادة تشكيل الوعي والتأثير في المجتمعات بصورة تتجاوز تأثير التنظيمات بأنواعها


وعلى الرغم من تراجع النفوذ المباشر للجماعات الراديكالية فإن خطرها لم ينته بل تغيرت أدواته فلم تعد تعتمد على التنظيمات السرية أو الحشد المباشر وإنما أصبحت تعتمد على الإعلام الدعائي والخطابات العاطفية ومحاولات التأثير النفسي والفكري داخل المجتمعات وهنا تكمن خطورتها الحقيقية إذ تسعى إلى تقديم روايات تقوم على المظلومية وادعاء امتلاك الحقيقة الدينية والسياسية بصورة مطلقة


وتقوم الراديكالية بطبيعتها على رفض التعددية الفكرية والسياسية إذ ترى نفسها الوصي الوحيد على المجتمع والحقيقة لذلك لا تكتفي هذه الجماعات بالاختلاف السياسي بل تسعى إلى تقويض مؤسسات الدولة وإضعاف الثقة في بنيتها الأساسية باعتبارها عقبة أمام مشروعها العقائدي


ورغم تصنيف كثير من هذه التنظيمات كجماعات إرهابية فإن حضورها الإعلامي ما زال قائما عبر منصات خارجية ودعم إعلامي عابر للحدود مستغلة الفضاء الإلكتروني المفتوح في نشر الأكاذيب وتشويه صورة الدولة وإعادة تدوير خطابها القديم بأساليب جديدة كما تعتمد بصورة كبيرة على تكرار الرسائل الدعائية لأن التكرار أحد أخطر أدوات صناعة القناعة الزائفة خاصة لدى الفئات التي تعاني فراغ معرفي أو اضطراب في الهوية والانتماء


ومن هنا تصبح المواجهة الأمنية ضرورية لكنها غير كافية فالأمن يستطيع تفكيك التنظيمات لكنه لا يستطيع وحده تفكيك الأفكار التي تنتجها ولهذا تصبح المواجهة الفكرية والثقافية أكثر أهمية لأنها تستهدف الجذور العميقة التي تسمح بانتشار الخطاب المتطرف داخل المجتمع


إن مواجهة الأكاذيب وتفنيد الخطابات المتشددة وبناء منصات إعلامية تمتلك المصداقية والقدرة على مخاطبة الناس بوعي ومسؤولية تمثل ضرورة حضارية وأمنية في الوقت نفسه خاصة عندما يتم استغلال النصوص الدينية وتحريف دلالاتها لخدمة أهداف سياسية أو عقائدية


كما أن الفرد لا ينفصل عن بيئته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية والنفسية فحالات العزلة وفقدان الانتماء والأزمات النفسية تجعل بعض الأفراد أكثر عرضة للاستقطاب الفكري وعندما يشعر الإنسان بالضياع أو فقدان القيمة يصبح أكثر قابلية للانجذاب إلى الجماعات التي تمنحه شعور زائف بالأمان أو التفوق أو الانتماء


وتعتمد الجماعات الراديكالية على هذا الجانب النفسي في استقطاب الأفراد إذ لا تقدم لأتباعها فكرا بقدر ما تمنحهم هوية مصبغة وشعور باليقين المطلق ومن هنا يصبح الهدف الحقيقي لهذه الجماعات هو صناعة أفراد منزوعي الاستقلال الفكري يسهل توجيههم وتحريكهم وفق أهداف التنظيم


كما تمثل حالة المظلومية التي تروج لها هذه الجماعات أداة فعالة لبناء الولاء العاطفي إذ تصور نفسها دائما باعتبارها ضحية لمؤامرات مستمرة لتبرير أخطائها وتحويل أتباعها إلى حالة دائمة من الغضب والعداء تجاه المجتمع والدولة


ومع اتساع مساحة المعرفة وارتفاع قدرة الناس على المقارنة والتحقق وكشف التناقضات تراجع تأثير كثير من هذه الخطابات بصورة واضحة فقد أدرك كثيرون أن بعض هذه الجماعات لا تنطلق من مشروع وطني أو إنساني بل من حالة من الاستعلاء الفكري التي ترى المجتمع قاصرا يحتاج دائما إلى الوصاية والتوجيه


إن أخطر ما في الفكر الراديكالي ليس الشعارات التي يرفعها بل قدرته على التسلل إلى العقول عبر خطاب عاطفي ودعائي منظم ولذلك فإن حماية المجتمع لا تتحقق بالملاحقة الأمنية وحدها وإنما ببناء عقل نقدي قادر على التمييز بين الحقيقة والدعاية وبين الدين باعتباره قيمة أخلاقية سامية وبين استغلاله كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية


وفي نهاية هذا الممر تبقى معركة الوعي هي المعركة الأهم لأن المجتمع الذي يمتلك المعرفة والقدرة على التفكير الحر يصبح أكثر مناعة أمام التطرف وأقل قابلية للوقوع في فخ الأكاذيب والشعارات المؤدلجة

أنت الان في اول موضوع

تعليقات