كتب ضاحى عمار
حربُ استنزاف
تتصدّع داخل إسرائيل قناعة “القوة التي لا تُهزم، بعدما تحولت سماء الجنوب اللبناني إلى ساحة استنزاف مفتوحة أربكت المؤسسة العسكرية وكشفت حدود التفوق التكنولوجي الإسرائيلي. فمع كل طائرة مسيّرة تعبر الحدود، يتزايد الإدراك داخل تل أبيب بأن الحرب التي بدأت تحت شعار الردع تحولت إلى معركة بقاء سياسي وأمني، لا تملك إسرائيل حسمها بالقوة وحدها.
اعترافٌ ضمني
وفي ظل عجز العمليات العسكرية عن إنهاء تهديد حزب الله، بدأت لغة “الاختراق السياسي تتسلل إلى الخطاب الأمني الإسرائيلي، في اعتراف غير مباشر بأن النار المشتعلة على الحدود الشمالية لم تعد تحتمل مغامرات عسكرية طويلة. وبين ضغوط واشنطن، وتصاعد خسائر الاستنزاف، وتمسك حزب الله بمعادلة المقاومة، تدخل المنطقة مرحلة شديدة الخطورة، عنوانها الأبرز: سقوط الرهان على الحسم العسكري وصعود التفاوض تحت دخان الحرب.
قلقٌ متصاعد
وتكشف التصريحات الصادرة عن مصادر أمنية إسرائيلية خلال الساعات الأخيرة حجم القلق المتزايد داخل المؤسسة العسكرية، بعدما فشلت أشهر من العمليات الجوية والاغتيالات في إنهاء قدرة حزب الله على تنفيذ هجمات دقيقة ومؤثرة. فالمشكلة بالنسبة لإسرائيل لم تعد فقط في عدد الصواريخ أو المسيّرات، بل في طبيعة الحرب الجديدة التي تعتمد على الاستنزاف المستمر وإرباك الجبهة الداخلية.
تقييمٌ شامل
ويرى اللواء يونس السبكي أن إسرائيل دخلت مرحلة إعادة تقييم شاملة لاستراتيجيتها العسكرية في لبنان، بعدما اكتشفت أن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة تحقيق الأمن الكامل. وأوضح أن الجيش الإسرائيلي يمتلك قدرات تدميرية هائلة، لكنه يواجه خصمًا يعتمد على تكتيكات مرنة ومتطورة تجعل من الصعب إنهاء التهديد بصورة كاملة.
وأضاف أن المسيّرات الحديثة غيّرت طبيعة المواجهة، خاصة مع استخدام تقنيات يصعب رصدها أو التشويش عليها، وهو ما تسبب في حالة استنزاف نفسي وعسكري داخل إسرائيل، مشيرًا إلى أن تل أبيب باتت تدرك أن استمرار الحرب بنفس الوتيرة سيؤدي إلى خسائر أكبر دون تحقيق نتائج حاسمة.
ضغوطٌ أمريكية
وفي السياق ذاته، تؤكد المحللة السياسية رشا فتحي أن التحرك الأمريكي نحو الدفع بمفاوضات سياسية بين لبنان وإسرائيل لم يأتِ بدافع الرغبة في التهدئة فقط، بل نتيجة مخاوف حقيقية من توسع دائرة الصراع إقليميًا.
مخاوفُ إقليمية
وأشارت إلى أن الإدارة الأمريكية تسعى لمنع انفجار شامل في المنطقة، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة المرتبطة بإيران والبحر الأحمر، وهو ما دفع واشنطن إلى فرض ضغوط واضحة على الحكومة الإسرائيلية لعدم توسيع العمليات العسكرية نحو بيروت أو البقاع اللبناني.
مكاسبُ سياسية
وترى فتحي أن إسرائيل تحاول حاليًا تحقيق مكاسب سياسية وأمنية عبر المفاوضات، بعدما فشلت العمليات العسكرية في فرض واقع جديد على الأرض. لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن أي تفاهمات مقبلة ستظل هشة، بسبب غياب الثقة بين الأطراف واستمرار التوترات الميدانية.
رسائلُ ميدانية
وعلى الأرض، يواصل حزب الله توجيه رسائل واضحة بأنه لا يزال قادرًا على إرباك الجيش الإسرائيلي، من خلال هجمات متفرقة تستهدف الآليات والمواقع العسكرية، في إطار استراتيجية تقوم على إنهاك الخصم تدريجيًا دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
حساباتٌ معقدة
وتشير تقديرات أمنية إلى أن إسرائيل باتت أكثر اقتناعًا بأن أي توغل بري واسع داخل الجنوب اللبناني لن يحقق الحسم الكامل، بل قد يفتح الباب أمام حرب طويلة تستنزف الجيش والاقتصاد معًا، وهو ما يفسر التحول المتزايد نحو البحث عن تسوية سياسية مدعومة أمريكيًا
وتشير فتحى الى أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أصبحت تتعامل مع الواقع الجديد بمنطق تقليل الخسائر بدلًا من تحقيق النصر الكامل، خاصة بعد اتساع تأثير المسيّرات على المشهد العسكري والنفسي داخل إسرائيل.
موقفٌ ثابت
وفي المقابل، يتمسك حزب الله بموقفه الرافض لأي نقاش مباشر بشأن سلاحه، معتبرًا أن الضغوط السياسية الحالية تهدف إلى تحقيق ما عجزت عنه الحرب. كما يواصل التأكيد على أن عملياته تأتي ردًا على الهجمات الإسرائيلية المستمرة داخل الأراضي اللبنانية.
مرحلةٌ دقيقة
ومع اقتراب جولات جديدة من المحادثات المرتقبة برعاية أمريكية، تبدو المنطقة أمام مرحلة دقيقة تتشابك فيها الحسابات العسكرية والسياسية بصورة معقدة. فإسرائيل تبحث عن مخرج يحفظ صورتها الأمنية، بينما يسعى حزب الله إلى تثبيت معادلة الردع الجديدة، في وقت تحاول فيه واشنطن منع انفجار إقليمي قد تمتد نيرانه إلى ما هو أبعد من الحدود اللبنانية.
مشهدٌ جديد
وبين ضجيج المسيّرات وحسابات السياسة، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحًا أن الحرب الدائرة على حدود لبنان لم تعد مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل تحولت إلى اختبار استراتيجي يعيد رسم موازين القوة في المنطقة بأكملها.

تعليقات
إرسال تعليق