بقلم: محمد الشحات سلامة
محرر إعلامي وصحفي
لم تعد المواجهة الراهنة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد جولة تقليدية من جولات الصراع الإقليمي الممتد لعقود؛ بل تحولت إلى ما يمكن تسميته عسكرياً وسياسياً بـ "كلاسيكيات حافة الهاوية" (Brinkmanship). وفي هذا المشهد المعقد، يبدو الطرفان وكأنهما يسيران في حقل ألغام متبادل، حيث تحولت الاستراتيجيات من القصف المباشر إلى معركة إرادات خانقة وحسابات داخلية بالغة الحساسية، تضع مصير المنطقة بأكملها على المحك.
أولاً: إيرانيّاً.. المناورة السياسية هرباً من "استحقاقات الداخل"
تتحرك طهران اليوم في مساحة ضيقة جداً تفصل بين بقاء النظام وانفجار الشارع. المعادلة داخل أروقة القرار الإيراني أصبحت وجودية بشكل غير مسبوق، خاصة بعد الضربات العنيفة الأخيرة التي تلقتها بنيتها القيادية والعسكرية، ويمكن تفكيك الموقف الإيراني في نقطتين رئيسيتين:
- الخشية من "سلام الاستسلام": يدرك النظام الإيراني أن القبول بالشروط الأمريكية المجحفة والتخلي الكامل عن أوراقه الإقليمية وبرنامجه النووي يعادل تجريده من شرعيته العقائدية التي تأسس عليها. السلام الذي يحمل طابع "الاملاءات" هو انتحار سياسي للنظام، ولذلك تظل "المناورة" هي السلاح الدبلوماسي الأخير لتفادي هذه اللحظة.
- رعب "ثورة الشعب بعد الخراب": مع تعرض البنية التحتية وقطاع الطاقة لأضرار بالغة أدت إلى أزمات وقود حادة وضغوط اقتصادية غير مسبوقة، يدرك النظام معضلة تاريخية؛ الحروب قد توحد الجبهة الداخلية مؤقتاً تحت شعار "مواجهة العدوان الخارجي"، لكن بمجرد أن تصمت المدافع وينقشع غبار المعارك، سيواجه النظام شعباً منهكاً يطالب بالحساب عن الدمار. هذا الخوف من الانفجار الداخلي هو ما يفسر السعي الإيراني المستميت لكسب الوقت عبر الوساطات الإقليمية والدولية لتجنب سيناريو السقوط من الداخل.
ثانياً: أمريكياً.. التردد العسكري وضبابية الأهداف المعلنة
على الجانب الآخر من المشهد، تقف واشنطن أمام مأزق "عجز القوة". فرغم التفوق العسكري الكاسح، تظهر الإدارة الأمريكية كمن أشعل حريقاً ضخماً لا يملك خطة واضحة لإطفائه، ويتضح ذلك من خلال:
- الخشية من التورط والنزيف المستدام: تواجه الولايات المتحدة المعضلة التاريخية ذاتها في الشرق الأوسط: "ماذا بعد الضربة الأولى؟". إن الخوف من الغرق في مستنقع استنزاف طويل الأمد، وحرب برية لا يريدها أحد، يشكل كابحاً أساسياً لصناع القرار في واشنطن، خاصة مع الضغوط الاقتصادية الناتجة عن اضطراب خطوط الملاحة وارتفاع أسعار الوقود والتضخم، والتي تنعكس مباشرة على الشارع الأمريكي وحسابات السياسة الداخلية.
- فجوة الأهداف والآليات: رفعت واشنطن سقف توقعاتها عالياً بمطالبتها بـ "تغيير سلوك النظام بالكامل" وتجريده من أسلحته. لكن عسكرياً، أثبتت التجربة أن القصف الصاروخي والحصار البحري الخانق – رغم فداحة خسائرهما – لا يمكنهما إجبار نظام عقائدي على الاستسلام الكامل دون غزو بري شامل، وهو خيار مستبعد تماماً. هذا العجز عن تحقيق الأهداف المعلنة يفسر حالة التردد والتأرجح بين التهديد بالتصعيد غير المسبوق، وبين تمديد الهدن والقبول بالقنوات الخلفية للتفاوض.
الخلاصة: صراع عض الأصابع لمنع الانهيار
إن المشهد الراهن يلخص حالة من التوازن السلبي: أمريكا تملك القدرة على التدمير لكنها تفتقر إلى الأفق السياسي الذي يحقق أهدافها دون تكاليف باهظة، وإيران تملك القدرة على التحمل والمناورة لكنها تقف على أرضية محلية هشة جداً وقابلة للانفجار.
نحن الآن في مرحلة "عض الأصابع" في ربع الساعة الأخير؛ حيث يبحث كلا الطرفين عن مخرج يحفظ ماء الوجه، وتنازلات يمكن تسويقها للداخل على أنها "نصر سياسي". ومن يمتلك نفساً أطول في هذه المناورة الخانقة، هو من سيحدد ملامح الصيغة التسووية القادمة، أو يدفع بالمنطقة نحو انهيار كامل يخرج عن سيطرة الجميع.

تعليقات
إرسال تعليق