بقلم :
د كامل عبد القوي النحاس
افتتاحية
التضحية ليست رحيلاً عن الحياة، بل هي الجسر الذي نعبره لنمنح وجودنا معناه الأبقى، وبدايات الحضارات العظيمة تولد غالباً من رحم لحظات الضعف التي يظنها البشر نهاية، بينما هي في حقيقة الأمر ميلادٌ لخلودٍ آتٍ.
رحل إبراهيم عليه السلام وبقيت هاجر وحدها مع رضيعها إسماعيل في ذلك الوادي السحيق، حيث تبتلع الرمال الصمت وتتلاشى الآفاق تحت وطأة الشمس اللاهبة. لم تكن تلك اللحظة مجرد فراق مادي، بل كانت الاختبار الوجودي الأول والأقسى؛ حيث تُنزع من الإنسان كل الأسباب الأرضية ليواجه المطلق وحيداً في عراء الصحراء، في مشهد إيماني لا يملكه إلا من استودع قلبه في خزائن السماء.
حين سألت هاجر والقلب يرتجف بصدق: آلله أمرك بهذا؟ لم تكن تبحث عن جواب يطمئن العقل، بل كانت تثبّت أوتاد إيمانها في أرض لا تنبت إلا الصبر واليقين. وحين أعلنت إيمانها المطلق قائلة: إذًا لا يضيّعنا، لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل إعلان استقلال كلي عن الخوف، وقطيعة مع حسابات المادة. كانت تدرك أن من أُمر بالسعي لا يُترك في منتصف الطريق، وأن الله الذي أودع الرضيع في هذا القفر هو الذي يحرس أنفاسه في مهب الريح.
مع انصرام الوقت بدأ الماء ينفد قطرة تلو أخرى، حتى حلّت اللحظة القاسية؛ العجز المطلق عن إنقاذ الرضيع من براثن العطش. وهنا تجلى الاستيئاس الوجودي الذي يقتلع قلب الإنسان من مكانه.
في مثل هذه اللحظات التي تضيق فيها الخيارات، يسقط الكثيرون في شلل اليأس، لكن هاجر في تلك البؤرة المظلمة لم تستكن؛ لقد كانت لحظة انبثاق الفعل من جوف القنوط، حيث تحولت غريزة الأمومة إلى طاقة وجودية تتحدى صمت الصحراء، ورفضت أن تستسلم للفناء.
قامت هاجر تتحرك، صعدت الصفا لعلها تظفر في الأفق بومضة حياة، ثم انحدرت مسرعة نحو المروة، ثم عادت من جديد. سبعة أشواط كاملة من الركض، لم تكن مجرد رحلة بحث عن ماء، بل كانت تفتيتاً لليأس بحركة الجسد، وحواراً صامتاً بين حاجة المخلوق الضعيف ورحمة الخالق القدير. لقد كان ركضها إعلاناً عملياً بأن الالتجاء إلى الله ليس خمولاً، بل هو بذل للجهد حتى الرمق الأخير، لتثبت أن الأمومة ليست مجرد شعور، بل هي أفعالٌ تُكتب في سجلات الخلود.
إن سعي هاجر لم يكن قائماً على يقين برؤية النجاة بعين البصر، بل على يقين بالله بعين البصيرة. فزمزم لم تتفجر قبل حركة هاجر، بل تفجرت تتويجاً لسعيها. وكأن الله يريد أن يعلم البشرية أن التوكل ليس استسلاماً ساكناً، بل حركة دؤوبة في قلب العجز. هذا المعنى يتجلى في القصص القرآني؛ فمريم عليها السلام أُمِرت بهز جذع النخلة:
﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾.
إن هز النخلة بامرأة واهنة شرط لاستحقاق الفتح، فالله يريد من الإنسان أن يتحرك بما يملك، ثم يأتي الفتح من عنده.
بلغت هاجر ذروة الإنهاك، واستنفدت طاقتها، وأتمّت سعيها سبعاً، ثم عادت وقلبها يكاد ينخلع عطشاً. وحين توقفت أقدامها عن الجري، تفجر الماء عند عقب الصبي.
إن الله قد يؤخر الفرج حتى يبلغ الإنسان آخر حدود قدرته؛ لا ليهلكه، بل ليكشف له أن النجاة كانت دائماً بيده سبحانه. ولهذا تتكرر في القرآن هذه السنة الربانية: أن أبواب الفرج تُفتح عند لحظة الاستيئاس، يقول تعالى:
﴿حَتّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنا﴾.
فالضيق هنا مخاض للفرج. وقد أكد الله هذا بقوله:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
فلا يغلب عسر يسرين
ليكون التكرار تثبيتاً للقلوب وتأكيداً أن الضيق برزخ يعبر بالعبد إلى اليسر.
خرج الماء من قلب الصحراء، لا من نهر قريب، بل من موضع لا يتوقع الناس فيه حياة، ليثبت أن خزائن الله ليست خاضعة لموازين البشر.
أسرعت هاجر تجمع الماء وهي تقول: زمي زمي، فصار الاسم خالداً. لم تكن زمزم مجرد ماء، بل الشرارة الأولى لتحول هائل؛ فحيث وجد الماء بدأت الحياة، ومن هنا بدأت مكة.
إنها مفارقة التاريخ الكبرى، فمدينة قبلة الملايين لم تبدأ من سلطان سياسي، بل من معاناة أم وحيدة، وبقيت زمزم نبعاً متدفقاً مصداقاً لقول النبي ﷺ:
إنها مباركة، إنها طعام طُعم.
ختاماً، إن قصة هاجر درس متجدد في قوانين النهوض؛ فهي تعلمنا أن الصبر حين يقترن بالسعي، والحركة حين تتصل باليقين، تحول لحظات الانكسار إلى بدايات تاريخية كبرى. نعم، من هذا العطش وُلدت مكة، ومن صبر امرأة وسعيها، بدأ تاريخ مدينة ستظل مقصد القلوب، شاهدة على أن التضحية ليست ضياعاً، بل هي الطريق الذي يمنح الحياة معناها الأبقى.
توصية عملية: اجعل من أزمتك الحالية محركاً لا معطلاً، بادر بالعمل مهما بدا لك صغيراً، فالله لا يكلفك بالنتيجة، بل يطالبك بالسعي. تذكر أن حركتك في طريق الحق في ذروة ألمك هي التي تستنزل مدد السماء، فكن ساعياً، وكن واثقاً، ففرج الله يأتي دائماً على مقاس يقينك، لا على مقاس حساباتك البشرية المحدودة.

تعليقات
إرسال تعليق