بقلم/ محمد الشحات سلامة
محرر إعلامي وصحفي وجيواستراتيجي
مع تسارع الأيام واقتراب الموعد النهائي في الحادي والثلاثين من مايو، يعيش الشارع الرياضي المصري والعربي على صفيح ساخن، وتحت وطأة صراع إداري وقانوني هو الأعنف من نوعه. أزمة تراخيص الأندية في الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (CAF) تجاوزت هذه المرة حدود الـ "كوميكس" الساخرة والمشاحنات الجماهيرية المعتادة، لتتحول إلى معركة كسر عظم حقيقية تضع سمعة الكرة المصرية ونزاهتها على المحك الدولي.
لسنوات طويلة، كان السيناريو يتكرر بحذافيره: غرامات ممتدة في الفيفا، مديونيات تناهز مئات الملايين من الجنيهات ناتجة عن سوء إدارة تاريخي وعقود عشوائية، ثم يتدخل الاتحاد المصري لكرة القدم في الرمق الأخير بـ "ممحاة سحرية"، ليمنح نادي الزمالك خطاباً محلياً يفيد بسلامة موقفه المالي، مستنداً إلى فكرة "حماية القيمة التسويقية والجماهيرية للفارس الأبيض كأحد أغنى براندات الشرق الأوسط". لكن في موسم 2026، يبدو أن قواعد اللعبة قد تغيرت تماماً، وأن المسكنات التقليدية لم تعد صالحة للاستعمال.
صدمة نظام (CLOP): الفيفا يغلق أبواب "الالتفاف الورقي"
الحقيقة الدامغة التي تصطدم بها محاولات الإنقاذ التقليدية هذا الموسم هي التحول الرقمي الصارم للاتحاد الإفريقي. باستحداث نظام (CLOP) الإلكتروني المرتبط مباشرة بالاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، انتهى عصر "الجوابات الودية" والخطابات الورقية المختومة محلياً إلى الأبد.
هذا النظام الرقمي لا يقرأ النوايا ولا يعترف بالتوازنات؛ هو يتطلب شرطاً تقنياً واحداً: "رفع مستندات رسمية ومخالصات بنكية وتوقيعات إلكترونية موثقة" تفيد بإنهاء النزاع مع الدائنين (سواء كانوا لاعبين أو مدربين أو أندية أجنبية) ممن يملكون أحكاماً نهائية بإيقاف القيد. أي محاولة من الاتحاد المحلي لتمرير شهادة غير مطابقة للواقع ستصطدم فوراً بقائمة الحظر الدولي (Transfer Ban) المحدثة تلقائياً في السيستم، مما يضع الاتحاد المصري نفسه تحت طائلة عقوبات التزوير والإيقاف من قِبل الفيفا.
الأهلي في دور "حارس النزاهة": اللعب فوق الطاولة وتكافؤ الفرص
المتغير الأبرز والطرف الرقابي الأقوى في معادلة هذا الموسم هو الموقف الصارم للنادي الأهلي؛ فالقلعة الحمراء المستقرة إدارياً وفنياً والتي حسمت رخصتها القارية مبكراً بجدارة واستحقاق، لا تتحرك هنا من باب "الخوف من المنافسة" – وهي التي تتربع على عرش القارة – بل تتحرك لترسيخ مبدأ غائب: العدالة التنافسية والشفافية.
الموقف الأهلاوي، المدعوم بكوادر قانونية رفيعة المستوى، يرى أن زمن منح رخص "غير مستحقة" لأندية مثقلة بالديون يجب أن ينتهي فوراً. من غير المقبول لوائحيّاً أن يقوم نادٍ بإبرام صفقات ملايينية وتجديد عقود لاعبين وهو ممتنع عن سداد ديونه الدولية، مما يخل بمبدأ تكافؤ الفرص مع نادٍ آخر يلتزم بسداد التزاماته أولاً بأول. عيون إدارة الأهلي الراصدة تتابع الملف عن كثب، وثمة مؤشرات تؤكد أن الإدارة الحمراء لن تتردد في الطعن الرسمي لدى الكاف إذا ثبت تمرير أي رخصة بناءً على مجاملات لا تقابلها تسويات فعلية على أرض الواقع.
التسوية الفورية أو المقصلة: سيناريوهات الساعات الأخيرة
أمام هذا الحصار القانوني والتكنولوجي، لم يعد أمام مجلس إدارة نادي الزمالك أي مساحة للمناورة الإدارية، وبات النادي يسابق الزمن أمام خيارين لا ثالث لهما:
الخيار القانوني الفعلي: نجاح الإدارة البيضاء في الساعات الجارية في توقيع "اتفاقيات جدولة موثقة" مع الأطراف الدائنة (مثل سبورتنج لشبونة، خالد بوطيب، ومساعدي فيريرا)، ورفع هذه التسويات رسمياً على السيستم الإلكتروني للكاف. هذا الإجراء – وإن كان مكلفاً وضخماً – هو المخرج الشرعي الوحيد الذي يضمن مشاركة الزمالك قاريّاً برداء نظيف مالياً.
المقصلة الإفريقية والاستبعاد: إذا عجز النادي عن تدبير السيولة أو إقناع الدائنين بالجدولة قبل غلق باب التراخيص، فإن مقصلة اللوائح ستكون بالمرصاد، ولن يشفع للنادي تاريخه أو جماهيريته أمام صرامة السيستم وعين المنافس اليقظة.
كـلـمـة الـفـصـل
تقف الكرة المصرية الآن عند منعطف تاريخي فارق؛ فإما الانتقال الحقيقي والفعلي إلى عصر الاحتراف الحقيقي حيث "اللوائح فوق الجميع" والنزاهة هي الحكم والفيصل، وإما الإصرار على العيش في جلباب المسكنات والمجاملات التي لم تعد مقبولة، لا في أروقة الكاف الحديثة، ولا في حسابات النادي الأهلي الذي قرر أن يكون حارساً للعدالة الكروية.
في النهاية، نتمنى أن تنجح إدارة الزمالك في تسوية قضاياها بالطرق القانونية السليمة، لأن قوة الكرة المصرية وتنافسيتها تنبع من قوة قطبيها معاً، ولكن داخل المستطيل الأخضر فقط.. وفوق طاولة القانون واللوائح دائماً.

تعليقات
إرسال تعليق