الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر
في مساحةٍ رماديةٍ بين الضوء والظل، حيث تختلط الكاميرا بالنبض، والحقيقة بالصورة، يولد هذا الحوار مع الفنان رامي وحيد، لا بوصفه مجرد ممثل مرّ على الشاشة، بل بوصفه إنسانًا يعيش ما بين الأدوار وما وراءها، بين ما يُقال عنه وما لا يُقال، بين ما يراه الجمهور وما لا يراه أحد، كأننا أمام رحلةٍ داخل النفس قبل أن تكون رحلة داخل الفن، حيث تتداخل الأسئلة مع الإجابات، ويتحوّل الصمت إلى لغة، وتصبح التفاصيل الصغيرة هي البوابة الكبرى لفهم الإنسان قبل الفنان، وفي هذا اللقاء لا نحاول أن نعيد تقديم صورةٍ جاهزة، بل نحاول أن نقترب من الحقيقة كما هي، بلا أقنعة، بلا رتوش، بلا مسافات زائدة، فقط إنسان يقف أمام نفسه قبل أن يقف أمام الناس، ويواجه أسئلة العمر، والفن، والخسارة، والانتصار، والحب، والخذلان، وكأن كل كلمة هنا ليست مجرد تصريح، بل قطعة من سيرةٍ داخلية لا تُروى كثيرًا، لكنها تُحَسّ أكثر مما تُقال.
آخر شقة فوق” يبدو كأنه ليس مجرد مسلسل… بل مساحة نفسية مظلمة. ما أول شعور أصابك بعد قراءة الحلقة الأولى: الحماس أم الخوف من الدخول لهذا العالم؟
منذ أن قرأت الحلقة الأولى، وجدت نفسي مندمجًا معها بشكل كامل، وأكملت القراءة مباشرة دون توقف. وبالنسبة لي، فإن استمراري في القراءة يعد مؤشرًا مهمًا على إعجابي الشديد بالحكاية، وهو أحد أهم العوامل التي تدفعني إلى الرغبة في المشاركة في أي مسلسل أو فيلم. فعندما أبدأ في قراءة العمل بتركيز وأشعر برغبة حقيقية في معرفة تطورات الأحداث وما سيحدث لاحقًا، أدرك أنني أمام عمل يجذبني بالفعل.
أما حكاية العمل، فقد كانت بالنسبة لي موضوعًا كنت أتمنى دائمًا أن يتم تناوله دراميًا. فنحن نتحدث عن قضية تشبه أحداثًا وقعت مؤخرًا في الواقع، مثل حالات الانتحار التي شهدها المجتمع، وما يرتبط بها من تساؤلات حول كيفية مواجهة بعض الأشخاص لمشكلاتهم، والأسباب التي تدفعهم إلى الوصول إلى هذه المرحلة الصعبة.
لذلك كنت أنتظر، وأدعو الله، أن أجد عملًا مكتوبًا بشكل جيد يتناول هذا الموضوع المهم، لأنه بالفعل من القضايا المطروحة بقوة في الوقت الحالي. ومن هنا جاء حماسي الكبير للمشاركة في تقديم هذه الرسالة بالشكل الذي تستحقه، وأن نسلط الضوء على الأسباب والعوامل التي قد تؤدي إلى مثل هذه النتائج المؤلمة.
وبعيدًا عن آرائنا الشخصية أو مواقفنا تجاه هذه القضايا، فإن دور العمل الفني ليس تقديم الحلول أو ادعاء امتلاك العلاج، فهذه ليست مهمة الفنان أو الممثل. وإنما تتمثل مهمته في عرض المشكلة وتسليط الضوء عليها، ووضعها أمام الجمهور بوضوح، وكشف مختلف جوانبها، حتى تصبح محل نقاش وفهم أعمق. فالفن يضيء المناطق المعتمة في القضايا الإنسانية، ويمنحنا فرصة للتأمل فيها ومناقشتها بصورة أكثر وعيًا.
شخصيتك في العمل تبدو وكأنها تحمل وجهين… هل تعتقد أن الإنسان الحقيقي عمومًا لا يُظهر سوى نصف شخصيته فقط أمام الآخرين؟
هو بالفعل ضابط مباحث شديد الذكاء، يمتلك قدرة كبيرة على ملاحظة التفاصيل الدقيقة في عمله، ويوليها اهتمامًا استثنائيًا. فهو لا يكتفي بالنظر إلى الوقائع الظاهرة فقط، بل يحاول دائمًا البحث عما وراءها، سعيًا للوصول إلى حلول للأسرار والألغاز التي يواجهها في القضايا التي يتولى التحقيق فيها.
فكل قضية، من وجهة نظره، تحمل في طياتها لغزًا معينًا، وكلما بدا هذا اللغز مرتبًا بإحكام وكانت جميع عناصره تبدو متناسقة ومضبوطة بشكل لافت، ازدادت شكوكه أكثر. وهو يردد هذه الفكرة أكثر من مرة خلال الأحداث، إذ يرى أن المبالغة في ترتيب الأمور قد تكون في حد ذاتها مؤشرًا يدفع إلى الشك والبحث بشكل أعمق. وفي الواقع، فإن التعمق في التفاصيل الدقيقة في مثل هذه القضايا هو ما يقود في النهاية إلى الوصول للنتائج الحقيقية وكشف الخيوط الخفية.
أما على المستوى الإنساني، فالشخصية تظهر للآخرين بأوجه مختلفة وفقًا لطبيعة العلاقة التي تربطها بهم. فهناك جانب معين من شخصيته يظهر عند تعامله مع الضابط المعاون له أو مساعده، حيث يكون أكثر صراحة ويكشف له عما بداخله وما يشعر به، ويتحدث معه بصورة تعبر عن أفكاره الحقيقية وما يدور في قلبه.
لكن الأمر يختلف تمامًا عندما يتعامل مع الأشخاص الذين يشك فيهم أو مع المتهمين في القضايا التي يحقق فيها. ففي هذه الحالات يتغير أسلوبه بالكامل، ويعتمد على استخدام أساليب نفسية مختلفة مع كل شخص يقابله، محاولًا الوصول إلى الحقيقة التي يسعى إليها. فالبحث عن الحقيقة ليس أمرًا سهلًا، خاصة عندما يكون الشخص الذي أمامه متهمًا ويحاول إخفاء حقيقة ما حدث بكل الطرق الممكنة.
وفي كثير من الأحيان لا يكون المتهم وحده، بل تكون هناك ترتيبات أو ارتباطات مع أشخاص آخرين، وهو ما يزيد من صعوبة المهمة. لذلك يعتمد على ملاحظة الأخطاء الصغيرة جدًا والتفاصيل التي قد تبدو غير مهمة للوهلة الأولى، ثم يبدأ في البناء عليها تدريجيًا، لأنها تمثل بالنسبة له الأساس الذي يشيد عليه شكوكه واستنتاجاته، ومن خلالها يقترب خطوة بعد أخرى من كشف الحقيقة الكاملة.
في لحظة ما داخل التصوير… هل شعرت أن الشخصية بدأت تتحكم في أعصابك أو طريقة تفكيرك خارج الكاميرا؟
بالطبع، عندما تقوم بتجسيد أي شخصية، فإنها تستحوذ على جزء كبير من تفكيرك بشكل لا إرادي. فالممثل يتأثر بالشخصية التي يؤديها، وتظل ترافقه لفترة من الوقت حتى خارج إطار التصوير. وأنا شخصيًا من النوع الذي يفضل معايشة الشخصية بشكل كبير، ولذلك قد يحدث أحيانًا أن أتأثر بها دون أن أشعر أو أنتبه إلى ذلك بشكل مباشر.
فهذا الأمر يحدث بصورة تلقائية وعفوية، إذ تجد نفسك مع الوقت تتأقلم مع الشخصية وتتفاعل مع أزماتها ومشاعرها وأفكارها، لأنك تعيش تفاصيلها بشكل مستمر. فأنت تدرسها جيدًا، وتحاول الإحساس بما تشعر به، وتتحدث عنها كثيرًا، وتفكر فيها طوال الوقت، وهو ما يجعلك تتأثر بها بالفعل.
ولهذا فإن تأثير الشخصية لا يقتصر على ساعات التصوير فقط، بل يمتد إلى فترات طويلة خارج موقع العمل، حيث تظل أفكارها وتفاصيلها ومشكلاتها حاضرة في ذهنك، نتيجة حالة المعايشة الكاملة التي تفرضها طبيعة الأداء والاندماج مع الدور.
أنت من الفنانين الذين مرّوا بتجارب مختلفة بين مصر والخارج… هل النجاح في الغربة يجعل الفنان أقوى… أم أكثر وحدة؟
حتى الآن لا أستطيع أن أقول إنني حققت نجاحًا كبيرًا في أمريكا. بالطبع أتمنى أن تشارك أعمالي في مهرجانات الأفلام العالمية الكبرى، وأعلم جيدًا أن هناك اهتمامًا كبيرًا في الولايات المتحدة بالأفلام التي تحقق حضورًا قويًا في المهرجانات السينمائية، وأن هذه التجارب تحظى بتقدير كبير داخل الوسط الفني هناك.
لكنني لا أستطيع أن أدّعي أن لدي جمهورًا في أمريكا يشبه الجمهور الذي أملكه في مصر. ففي مصر أشعر بمحبة الناس بشكل مباشر، وأرى تفاعلهم معي في الشارع، بينما هذا الأمر لم ألمسه بعد في أمريكا بالشكل الذي يجعلني أقول إنني حققت هناك نجاحًا جماهيريًا حقيقيًا. فما قدمته حتى الآن لا يزال محدودًا؛ فقد شاركت في فيلم أمريكي بدور صغير، وهناك فيلم آخر من المقرر أن يُعرض قريبًا بإذن الله، ولذلك لا أرى أن الوقت قد حان للحديث عن نجاح كبير هناك.
ما أسعى إليه حاليًا هو أن أواصل نجاحي في مصر، وفي الوقت نفسه أعمل على بناء اسم وحضور في أمريكا، وأن أتمكن من دخول دائرة الأفلام الكبرى والأعمال التي تحقق انتشارًا واسعًا وإيرادات كبيرة في شباك التذاكر. وهذا هدف أعمل عليه وأحاول الوصول إليه خطوة بعد خطوة.
وبالتأكيد فإن النجاح الذي حققته في مصر يمثل مسؤولية كبيرة جدًا بالنسبة لي، وهو ما يجعلني أراجع كل خطوة أقوم بها بعناية شديدة. فمجرد التفكير في دخول عالم السينما الأمريكية والعمل فيه لم يكن أمرًا سهلًا على الإطلاق. الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب جهدًا كبيرًا يتجاوز التمثيل نفسه، بداية من تجهيز الأوراق والإجراءات اللازمة، ثم الدخول في منظومة الترشيحات للأدوار، وهي عملية تحتاج إلى وقت ومجهود كبيرين.
كما أن الأمر لا يقتصر فقط على ما يقدمه لك مدير الأعمال أو الوكيل الفني من فرص وترشيحات، بل يتطلب منك أيضًا سعيًا شخصيًا مستمرًا للبحث عن الفرص المناسبة والعمل على تطوير نفسك بشكل دائم. ولذلك فإن كل خطوة أحققها، سواء في مصر أو في أمريكا، أعتبرها إضافة مهمة إلى رصيدي المهني، وخطوة تقربني أكثر من الأهداف التي أحلم بتحقيقها.
أما أكثر ما أخشاه فهو ألا أكون على قدر التوقعات التي يضعها الناس فيّ، أو ألا أتمكن من الوصول إلى المستوى المهني الذي أسعى إليه لنفسي. هذا الشعور يرافقني دائمًا، لكنه في الوقت ذاته يمثل دافعًا قويًا يدفعني إلى بذل المزيد من الجهد والعمل المستمر، حتى أكون عند حسن ظن الجمهور وكل من يؤمن بقدراتي، وألا أقدم مستوى يقل عما أطمح إليه أو عما ينتظره مني الآخرون.
ما أكثر شيء أصبحت تخشاه اليوم كرجل وليس كممثل؟ الفقد؟ الخيانة؟ التقدم في العمر؟ أم فكرة أن يفهمك الناس بشكل خاطئ؟
في كثير من الأحيان يكون الإنسان شديد الحساسية فيما يتعلق بالكلمات التي يقولها، لأن للكلمة تأثيرًا كبيرًا للغاية، وقد تترك أثرًا عميقًا في نفوس الآخرين. ولذلك فإن فكرة أن يُساء فهم كلامي، أو أن يكون لما أقوله انعكاس سلبي على بعض الناس، أو أن يتسبب في إزعاجهم أو جرح مشاعرهم، هي من الأمور التي أخشاها كثيرًا.
فأنا لا أحب أن أكون سببًا في ضيق أي شخص أو أذيته ولو عن غير قصد. وفي المقابل، فإن الشعور بالتقييد وعدم القدرة على التعبير عن الرأي بحرية يمثل أمرًا صعبًا أيضًا. لذلك أحرص دائمًا على تحقيق نوع من التوازن؛ أن أقول رأيي بكل صراحة ووضوح، ولكن من دون أن أتسبب في إيذاء أحد أو الإساءة إليه.
ومن هنا تأتي أهمية اللباقة وحسن اختيار الكلمات المناسبة، لأن الطريقة التي تُقال بها الفكرة لا تقل أهمية عن الفكرة نفسها. فالفهم الخاطئ للكلام من الأمور الصعبة جدًا، وهو أمر أخشاه بالفعل، لذلك أحاول دائمًا أن أكون دقيقًا في اختيار عباراتي وأن أقدم ما أريد قوله بأفضل صورة ممكنة، حتى تصل الرسالة كما أقصدها تمامًا، دون أن تُفهم بشكل مختلف أو تترك أثرًا سلبيًا لدى الآخرين.
إذا كنا سنتحدث عن الفقد، فهو من أصعب الأمور التي يمكن أن يمر بها الإنسان في حياته. فمهما كان الشخص قويًا وقادرًا على التحمّل، ومهما حاول أن يشغل نفسه بأمور كثيرة أو يحيط نفسه بانشغالات متعددة حتى لا تسيطر عليه مشاعر الغربة أو الحزن الناتجة عن الفقد، فإنه يظل يواجه هذه المشاعر في لحظات كثيرة.
فالإنسان بطبيعته يتعلق بمن حوله، ويمنحهم جزءًا كبيرًا من نفسه ومشاعره، وعندما يفقد أحدهم أو يبتعد عنه شخص اعتاد وجوده في حياته، يكون لذلك أثر كبير عليه. وهذه سنة الحياة التي لا يستطيع أحد تغييرها أو الهروب منها، فالفقد جزء من التجربة الإنسانية التي يمر بها الجميع.
كما أن الإنسان يتحمل الكثير من الأعباء والضغوط طوال حياته، لكن فقدان الأشخاص الذين نحبهم يظل من أصعب ما يمكن تحمله. وفي كثير من الأحيان يكون هذا الفقد أحد الأسباب التي تجعل بعض العلاقات لا تستمر أو لا تكتمل، أيًا كان نوع هذه العلاقة أو طبيعتها أو الأشخاص الموجودون فيها.
وبشكل عام، فإن الفقد أمر بالغ الصعوبة، وكذلك التعلق بالآخرين، فهو شعور متجذر في داخلنا إلى حد كبير، ونكتسبه ونتعلمه مع مرور الوقت ومن خلال تجارب الحياة المختلفة. ولذلك فإن الفقد يظل من أكثر التجارب قسوة وتأثيرًا على الإنسان.
وربما ما يجعل الأمر أكثر صعوبة هو ما يقود إليه الفقد أحيانًا من شعور بالافتقاد أو الوحدة أو الحزن، وكذلك الخوف من خسارة أشخاص آخرين في المستقبل، أو الاعتماد الزائد على الآخرين ثم مواجهة غيابهم بعد ذلك. فكل هذه المشاعر تترك آثارًا عميقة ومؤلمة، وتخلق حالات إنسانية مختلفة، لكل منها وقعها الخاص وتأثيرها الكبير على النفس.
وبالنسبة لي، فإن هذه المشاعر تظل من أكثر الأمور صعوبة وتعقيدًا في الحياة، لأنها تمس الإنسان في أعمق مناطق إحساسه ومشاعره.
الخيانة من أصعب الأمور التي يمكن أن يواجهها الإنسان في حياته. وأنا أرى أن الكذب هو أصعب أنواع الخيانة، أو بالأحرى هو البداية الحقيقية لها. فإذا أردنا أن نعرّف الخيانة، فقد تكون في كثير من الأحيان كذبة في المشاعر، أو كذبة في البدايات، أو تبريرات غير صادقة تقود في النهاية إلى فعل الخيانة نفسه.
والخيانة لا تقتصر فقط على العلاقات بين الأشخاص، بل قد يخون الإنسان أفكاره وقناعاته أيضًا. فقد يتبنى موقفًا أو مبدأً معينًا، ثم يتخلى عنه لاحقًا بصورة تتعارض مع ما كان يؤمن به. وأنا هنا أتحدث عن المبادئ الأساسية والثوابت الحقيقية، وليس عن الأمور الطبيعية التي تتغير مع الخبرة والنضج وتطور الإنسان مع مرور الوقت.
فمن الطبيعي أن تتغير بعض الآراء والأفكار مع اكتساب الخبرات الجديدة، وأن يرى الإنسان الأمور بصورة مختلفة مع الزمن. لكن هناك قيمًا أساسية ومبادئ إنسانية راسخة تظل ذات أهمية كبيرة، وعندما يخون الإنسان نفسه في هذه المبادئ والقيم، فإن ذلك يعد من أصعب أنواع الخيانة.
فخيانة الإنسان لنفسه تعني أنه في تلك اللحظة لم يعد قادرًا على مواجهة ذاته بصدق ووضوح، وهذه في رأيي من أقسى صور الخيانة على الإطلاق. أما الخيانة التي تأتي من شخص تحبه أو تثق به أو تجمعك به علاقة معينة، فهي في النهاية مسؤولية ذلك الشخص وحده. صحيح أنها تترك أثرًا مؤلمًا وقد تسبب وجعًا كبيرًا، لكنها لا تنتقص من قيمة من تعرض لها، لأن المسؤولية الحقيقية تقع على من ارتكب فعل الخيانة.
وبالطبع فإن الخيانة تؤلم، لكنني أحاول دائمًا النظر إليها باعتبارها اختيارًا خاطئًا اتخذه الطرف الآخر، وليس بالضرورة دليلًا على خطأ في الشخص الذي تعرض لها. كما أن وقوع الإنسان ضحية للخيانة لا يعني أن يتوقف عن الثقة تمامًا أو أن يغلق أبواب العلاقات الإنسانية في حياته بسبب تجربة مؤلمة مر بها.
و، أرى أن الإيمان بالنفس يظل أقوى وأكثر أهمية من أي شيء آخر. فعندما يكون الإنسان مؤمنًا بنفسه وبقيمه وبما يمثله، فإنه يكون أكثر قدرة على تجاوز الخيانات والصدمات المختلفة. أما الشخص الذي يخون، فهو وحده المسؤول عن هذا الفعل وعن نتائجه. ومع مرور الوقت تتكشف الحقائق، وتظهر الأمور على حقيقتها، ويستطيع الإنسان أن يرى بوضوح من كان صادقًا ومن كان مسؤولًا عن الخطأ منذ البداية.
الخيانة ليست فقط أن يخون الإنسان شخصًا آخر، بل قد تكون أيضًا أن يخون نفسه، أو يخون المجهود الذي بذله، أو الحلم الذي سعى طويلًا للوصول إليه. ففي بعض اللحظات قد يشعر الإنسان بالتعب أو يفقد تركيزه، وقد يبتعد عن الهدف الذي كان يتحرك نحوه وعن البوصلة التي كانت توجه خطواته، فيدخل في حالة من الاستسلام أو الضعف أمام التحديات والظروف المختلفة.
وأنا أرى أن الفكرة الأساسية للحياة قائمة في جوهرها على السعي والكفاح المستمر. فمنذ اللحظة الأولى لوجود الإنسان، تبدأ رحلة قائمة على المنافسة والاجتهاد للوصول والاستمرار. فبداية الحياة نفسها تحمل معنى السعي والمحاولة، ومن ثم فإن وجود الإنسان منذ نشأته الأولى مرتبط بفكرة الكفاح من أجل الاستمرار والتقدم.
ولهذا فإن الوصول إلى أي هدف يحتاج إلى جهد كبير جدًا، سواء كانت الأبواب مفتوحة أمامك أو مغلقة. فالإنسان مطالب دائمًا بأن يحاول بكل ما أوتي من قوة، وأن يستمر في السعي مهما كانت العقبات أو الصعوبات التي تواجهه.
ومن هنا أرى أن أخطر أنواع الخيانة هي أن يتخلى الإنسان عن نفسه وعن أحلامه، أو أن يتوقف عن المحاولة وهو قادر على الاستمرار. فأن تستسلم وتبتعد عن الطريق الذي آمنت به وسعيت إليه طويلًا، رغم أن وجودك كله قائم على فكرة السعي والكفاح، يعد في نظري من أصعب وأقسى صور الخيانة التي يمكن أن يرتكبها الإنسان في حق نفسه.
لو كان بإمكانك توجيه رسالة صوتية إلى “رامي وحيد” قبل 15 سنة، ماذا كنت ستقول له قبل دخول عالم الشهرة والفن؟
هناك جدل كبير يدور بداخلي حول فكرة التقدّم في العمر. هذا الجدل يتمثل في سؤال دائم: هل التقدّم في العمر أمر صعب عليّ، أم أنني أستطيع التعايش معه لأنه يحدث بشكل طبيعي؟ ولن أخفي أن هناك حالات كثيرة أشعر فيها أن الكِبَر قد يكون أمرًا غير جيد، وفي المقابل هناك جانب آخر يراه مجرد سنة من سنن الحياة. هذا الصراع الفكري يرافقني دائمًا.
لكن في النهاية، أشعر بقدر من المتعة عندما أرى أن النضج الذي أكتسبه مع مرور السنوات يضيف لي شيئًا جديدًا، ويجعلني أستفيد من كل سنة تمر عليّ، حيث أبني داخلي خطوة مهمة تمنح لحياتي معنى مختلفًا. أما إذا مرت السنوات دون أن أكتسب خبرات أو خطوات حقيقية في حياتي، فهنا تصبح المشكلة أكبر، لأن التقدّم في العمر حينها يبدو بلا معنى.
ولهذا أرى أن ربط التقدّم بالعمر فقط يجعل الفكرة أصعب وأقل قيمة، بينما الحقيقة أن العمر في النهاية هو سنة من سنن الحياة. والإنسان يحاول في المقابل أن ينجز في وقت قصير أكبر قدر ممكن من النجاحات، وفي الوقت نفسه يعيش حياته بشكل طبيعي، دون أن يحبس نفسه داخل فكرة أنه إذا لم يحقق شيئًا معينًا سيشعر بالإحباط.
لأن الإنسان في النهاية مطالب بأن يستمتع بحياته، وبالتوازي مع ذلك يسعى إلى النجاح. فالحياتان ليستا متناقضتين، بل يمكن أن تسيرا معًا، حيث يسير التقدّم في العمر جنبًا إلى جنب مع التقدّم في النجاح وتحقيق الذات.
كنت أتمنى قبل دخولي إلى مجال الفن أن أكون أكثر تأنّيًا في اختياراتي، وأن أتمهل بشكل كبير جدًا جدًا في قراراتي. فالتأنّي بالنسبة لي يعني أن أحسب ما الذي سيأتي بعد كل خطوة، لأنني في ذلك الوقت لم أكن أمتلك درجة كافية من الوعي بفكرة “ما بعد الاختيار” أو ما قد يترتب على أي قرار أتخذه في المستقبل.
كان الأمر بالنسبة لي مرتبطًا في كثير من الأحيان بفكرة العرض والطلب، وكأنني أتعامل مع سوق غير مضمون النتائج، حيث لا توجد قواعد ثابتة أو نتائج مؤكدة. ولذلك، كانت هناك أوقات كثيرة كنت أحتاج فيها إلى مزيد من التروي، وإلى طريقة مختلفة للتعبير عما بداخلي بشكل أهدأ وأعمق.
ربما كنت أفتقد في كثير من الأحيان القدرة على التعبير بشكل واضح عن مشاعري الداخلية، وأنا هنا أتحدث عن العواطف تحديدًا، وهي جانب مهم جدًا في حياة أي إنسان. لكنني كنت أتعامل معها بطريقة مختلفة تمامًا، بطريقة كانت تحتاج إلى المزيد من التمهل والتجربة والخبرة، أكثر من أي شيء آخر.
كان من الممكن أن يكون وجود شخص سبقني في هذا المجال وشارك تجربته معي أمرًا مفيدًا للغاية، لكن للأسف لم يكن ذلك متاحًا بالشكل الكافي. كما أن والدي رحمه الله توفي قبل أن أدخل مجال التمثيل، وبالتالي لم تكن لدي تلك الخبرة أو النصيحة المباشرة التي يمكن أن أستند إليها، وكان من الصعب أن أكتسب هذا النوع من الخبرة إلا من خلال التجربة نفسها وخوض الطريق بنفسي.
لأن هناك أشياء كثيرة في الحياة تكون جدلية وغير واضحة، لا يمكن تحديد بدايتها من نهايتها بسهولة، ولا يمكن معرفة نتائجها مسبقًا. وفي النهاية، تبقى الحياة سلسلة من التجارب، وكل خطوة يمر بها الإنسان يتعلم منها شيئًا جديدًا، ويكتسب منها خبرة مختلفة تساعده على فهم نفسه والعالم بشكل أعمق.
في رأيك… لماذا ينجذب الجمهور دائمًا للشخصيات المعقدة والمكسورة أكثر من الشخصيات المثالية؟
كل ما هو غير طبيعي يلفت الانتباه دائمًا. فمثلًا، إذا رأيت في الشارع العام أشخاصًا يتحدثون بشكل طبيعي، فلن يلتفت إليهم أحد، لكن إذا كان هناك أشخاص يصرخون أو يتشاجرون أو يقومون بأي سلوك غير مألوف، أو حتى يغنون في مكان عام، فإن ذلك يلفت الانتباه بشكل مباشر، لأن ما هو خارج عن المألوف يثير الانتباه تلقائيًا.
فأي شخصية أو أي سلوك يخرج عن الإطار العام أو الطبيعي يكون له قدرة على تحريك الانتباه لدى الناس، وهذا يرتبط بما يمكن تسميته بانجذاب الجمهور أو “اقتصاد الانتباه”، حيث يصبح غير الطبيعي أو المختلف هو الأكثر قدرة على جذب المتابعة والبقاء في الذاكرة.
والفكرة أن هذه هي “المرآة المقترنة بالأحداث”، بمعنى أن الأحداث غير المعتادة أو غير المتوقعة هي التي تخلق حالة من الانتباه الأكبر. لذلك غالبًا ما يتم التركيز على ما هو غريب أو معقد أو مختلف، لأنه يثير الفضول ويجعل الناس تتوقف عنده.
أما الشخص العادي أو السلوك الطبيعي المتكرر، فعادة لا يترك أثرًا كبيرًا ولا يثير اهتمامًا ملحوظًا، بعكس الشخصيات أو المواقف التي تحتوي على اختلاف أو غرابة أو خروج عن النمط المعتاد، فهي التي تجذب الانتباه بشكل أكبر وتبقى حاضرة في الذاكرة.
لاداعي للقلق من أن تكون الشخصية مكتوبة بشكل شخصي أو مبالغ فيه، أو أن تكون لديها مشكلات نفسية معينة، لأن فكرة البطل في العمل الدرامي ليست دائمًا شيئًا متعارفًا عليه أو نمطيًا، بل أحيانًا يتم تقديمه بطريقة مختلفة، ويتم تبرير أفعاله بشكل أو بآخر، حتى يتقبله الجمهور في النهاية ويحب “البطل” الخاص به، وبالتالي يتعاطف مع الفيلم أو العمل.
وفي كثير من الأحيان، لا يتم تحميل البطل وحده كل التعقيدات أو المشكلات النفسية، لأن ذلك قد يجعل الجمهور ينفر منه أو يرفضه، ولذلك يتم توزيع هذه التعقيدات على شخصيات أخرى تقف في مواجهته، أو تعارضه، أو تشكل له عقبات وصراعات داخل القصة. ومن هنا تنشأ الدراما.
كلما كانت الشخصيات المقابلة للبطل أكثر عمقًا وتعقيدًا، وكلما كانت تمتلك أبعادًا نفسية متعددة وتضاربًا داخليًا واضحًا، زادت قوة العمل الدرامي. لأن هذه الشخصيات هي التي تحرك الأحداث، وتفتح أبواب التساؤل حول الدوافع والأسباب، وتجعل المشاهد يبحث عن تفسير لما يحدث.
فكلما كان الفيلم مليئًا بالتفاصيل والأحداث والصراعات، كلما أصبح أكثر قوة وتأثيرًا. وأعتقد أن هذا هو سر انجذاب الجمهور إلى الشخصيات المعقدة، لأنها شخصيات “مليئة بالتفاصيل” وتحمل طابعًا مختلفًا، وتكون هي المحرك الأساسي للأحداث، وبالتالي تخلق حالة من الجذب الدرامي المستمر.
بعيدًا عن التمثيل… هل يشعر رامي وحيد أنه عاش الحب الحقيقي فعلًا؟ أم أن العلاقات في حياة الفنان دائمًا ناقصة بسبب طبيعة هذه المهنة؟
أنا من نوعيات الممثلين الذين يستحوذ التمثيل على معظم وقتهم وتركيزهم بشكل كامل. وأجد أن الأمر يكون صعبًا عليّ جدًا في بعض الأحيان فيما يتعلق بخلق مساحات للشخصية خارج إطار العمل، إلا في حال وجود وقت للسفر أو الابتعاد قليلًا، حيث يكون ذلك بمثابة مساحة أستعيد فيها علاقتي بنفسي من جديد.
أما تكوين الصداقات والعلاقات الاجتماعية أثناء فترات التصوير، فهو أمر يكون صعبًا إلى حد ما، لأن الممثل يدخل في حالة انفصال شبه كامل داخل شخصية العمل، ويندمج معها بشكل كبير. وأنا من هذه النوعية فعلًا، لذلك أجد أن التوازن بين الحياة الشخصية والعمل ليس أمرًا سهلًا.
وفي هذه الحالة، يصبح العمل الفني هو المسيطر على معظم تفاصيل الحياة اليومية، خاصة لدى من يحب عمله بشدة ويمنحه كل طاقته واهتمامه. فهو ينشغل به بشكل كبير، ويظل يفكر فيه في معظم الأوقات، ويكون كل تركيزه منصبًا على نجاحه وإتقانه.
لذلك أرى أن هذه الحالة قد تكون سلاحًا ذا حدين؛ فهي من ناحية تساعد على الإخلاص الشديد للشخصية والعمل، ومن ناحية أخرى قد تجعل من الصعب ممارسة حياة اجتماعية طبيعية أو القيام بأنشطة أخرى خارج نطاق التمثيل.
لكن في المقابل، هناك من يستطيع تحقيق توازن بين الأمرين بشكل جيد، فينجح في التمثيل ويحتفظ أيضًا بحياته الاجتماعية والشخصية، وأنا أرى أن هذا التوازن هو الأفضل إذا أمكن الوصول إليه.
أخيرًا… هل هناك نسخة من رامي وحيد لا يعرفها أحد حتى الآن؟ نسخة لو ظهرت للناس قد تغيّر فكرتهم عنك بالكامل؟
متهيأ لي أن النسخة التي لا يعرفها الكثيرون عني، والتي لا تظهر إلا في الدراما أو ظهرت في عدد قليل جدًا من الأعمال، هي أنني في الحقيقة شخص لا يحب المشاكل. أنا بعيد تمامًا عن فكرة الشخصيات التي ارتبط بها الجمهور أو التي اشتهرت بها، خصوصًا أدوار الشر أو الشخصيات المعقدة من هذا النوع. فأنا في الواقع شخص عادي جدًا، مثل أي إنسان آخر، قد يتعرض لمواقف صعبة أو يمر بتجارب حياتية مختلفة، وهذا أمر طبيعي وخارج عن الإرادة.
في النهاية نحن بشر، لدينا مشاعر متضاربة، وهذا شيء خلقنا الله عليه. لكن السمة العامة في شخصيتي هي أنني لا أحب الدخول في مشاكل أو ترك خلافات دون حل. وحتى إذا شعرت في وقت من الأوقات أن أحدًا قد أزعجني أو ضايقني لأي سبب، فإن أهم ما يشغل

تعليقات
إرسال تعليق