بقلم / محمـــد الدكـــروري
إعلموا أن من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها، وهذا نبى الله عيسى بن مريم عليه السلام عندما تكلم في المهد كان من قوله تعالى " وبرا بوالدتى" أى وأمرنى ربي ببر والدتي والإحسان إليها، وعن السيدة عائشه رضى الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نمت فرأيتنى فى الجنة فسمعت صوت قارئ يقرأ فقلت من هذا قالوا هذا حارثه بن النعمان" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كذاك البر كذاك البر " وكان أبر الناس بأمه، رواه أحمد، وكان أبو هريرة رضى الله عنه إذا أراد أن يخرج من بيته وقف على باب أمه فقال السلام عليك يا أماه ورحمة الله وبركاته، رحمك الله كما ربيتني صغيرا، فتقول وعليك السلام يا ولدي ورحمة الله وبركاته، رحمك الله كما بررتني كبيرا، وقيل للتابعي الجليل الإمام الحسن البصرى ما البر؟ قال الحب والبذل، قيل وما العقوق؟ قال أن تهجرهما وتحرمهما، ثم قال الحسن النظر إلى وجه الأم عبادة، فكيف برها؟
وعن منذر الثورى قال كان الإمام محمد الحنفية يمشط رأس أمه، فهكذا كان الأئمة والعلماء والأنبياء في الحرص الحثيث على بر أمهاتهم، فأين أولئك الذين يرفعون أصواتهم على أمهاتهم ويوبخونهن، أم أين أولئك الذين يتسببون في إدخال الحزن والقهر على أمهاتهم؟ أم أين أولئك الذين بلغت بهم شقوة أنفسهم لأن يضربوا أمهاتهم ويلحقون بهن الأذى الجسدي والنفسي؟ وإن من المؤسف أننا بدأنا نتبع الغرب ونترك ما أمرنا الله عز وجل من طاعة الوالدين، وعلى وجه الخصوص الأم حيث جعلوا لها يوما واحدا ندخل عليها السرور ونقدم لها الهداية وسمي هذا اليوم بيوم عيد الأم والله تعالى قد حذرنا من مشابهة اليهود والنصارى والمشركين وغيرهم، وهل هذا ما طلبه الله ونبينا صلى الله عليه وسلم منا أن نجعل برها يوما واحدا؟ فإنه واجب على كل مسلم أن يبر بوالدته، وأن يقدم لها أطيب ما عنده، وأن يدخل عليها السرور في كل وقت وحين، فهذا هو المطلوب شرعا منك.
وليس من يدعي برها بعيد الأم لحظات وينتهي برها، فهذا ظلم بحق الأم، فإن هذه الحقوق العظيمة التي لا يمكن لأحد أن يتجاهلها، وكيف وهو يخص أغلى إنسانة، وكيف وهو يخص تلك الدرة المصونة، والجوهرة الغالية، إنها الأم، نعم الأم نذكر بحقها سواء كانت حية أو ميتة، نعم الأم، وما أدراك ما الأم، إنها إحساس ظريف، وهمس لطيف، وشعور نازف بدمع جارف، فالأم هى كنز مفقود لأصحاب العقوق، وهى كنز موجود لأهل البر والودود، فالأم تبقي كما هي في حياتها وبعد موتها، وفي صغرها وكبرها فهي عطر يفوح شذاه، وعبير يسمو في علاه، وزهر يشم رائحته الأبناء، وأريج يتلألأ في وجوه الآباء، ودفء وحنان، وجمال وأمان، ومحبه ومودة، ورحمه وألفه، وأعجوبة ومدرسه، وشخصيه ذات قيم ومبادئ، وعلو وهمم، وهي المربية الحقيقية لتلك الأجيال الناشئة، فالأم مدرسه إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق، فالأم هي قسيمه الحياة، وموطن الشكوى.
وعماد الأمر، وعتاد البيت، ومهبط النجاة وهي آية الله ومنته ورحمته لقوم يتفكرون، فالأم صفاء القلب ونقاء السريرة، ووفاء وولاء، وحنان وإحسان، وتسليه وتأسيه، وغياث المكروب ونجده المنكوب، فالأم أشد أمم الأرض بأسا، واسماها نفسا، وأدقها حسا، وأرسخها في المكرمات أقداما، وارفعها في الحادثات أعلاما، وإعلموا أن من العوامل التي تؤدي إلى نجاح الأسرة في الإسلام هو وجود أب وأم صالحين وسويين نفسيا، وكذلك إتباع العقيدة الإسلامية والقواعد الأساسية فيها في تربية الأطفال وتنشئتهم نشأة صحيحة يؤدي لوجود جيل من العظماء الذين يكونون فيما بعد مجتمع عظيم لا يقدر عليه أحد، وأيضا تكاتف جميع المؤسسات والهيئات الموجودة بداخل المجتمع من أجل تربية جيل صالح وسوي نفسيا واجتماعيا خالي من أي أمراض نفسية، وأيضا اتباع العقيدة الإسلامية كمنهج ونظام حياة في داخل المجتمع، ولا يقف هدي الإسلام في العشرة بالمعروف عن حدود الأمر وإعتبارها من المروءة والدين.
بل يرتب عليها من الخيرية والجزاء ما يدعو للعناية بها والاهتمام، ويقول النبى الكريم صلى الله عليه وسلم "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم" وفي مقابل ذلك تقل خيرية من تشتكي منه النساء، وفي الخبر "لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم" وفي رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة وهو القائل "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي" فإن بناء الأسرة في الإسلام متين القواعد عميق الجذور، لا ينبغي أن يُهدم كيانه لسبب يسير، حتى ولو شعرت النفس بالكره أحيانا فلربما كان فيما تكره النفوس خيرا، كثيرا، وتأمل هدي القرآن والله تعالى يقول فى سوة النساء " فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا" ويقول القرطبي رحمه الله "فإن كرهتموهن أي لدمامة أو سوء خلق من غير ارتكاب فاحشة أو نشوز، فهذا يندب فيه إلى الاحتمال فعسى أن يؤول الأمر إلى أن يرزق الله منها أولادا صالحين"

تعليقات
إرسال تعليق