القائمة الرئيسية

الصفحات

صرخة في وادي الصمت: حكاية يوسف والقطيع الضائع


‏بقلم الدكتور/محسن رجب جودة 

‏كانت الشمس تميل نحو المغيب خلف تلال رام الله، تصبغ السماء بلون أرجواني يشبه لون النبيذ القديم. هناك، قرب بلدة "جلجليا"، كان يوسف كعابنة، الفتى الذي لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، يقف كالحارس الأمين وسط قطيعه. لم تكن الأغنام بالنسبة ليوسف مجرد حيوانات، بل كانت "رزقه الوحيد"، والمستقبل الذي يخطط له بعرق جبينه.

‏بيدين صغيرتين لم تعرفا سوى ملمس الصوف الخشن وحبال الرعي، كان يوسف يداعب حملًا صغيرًا، وفي قلبه طموحات أكبر بكثير من عمره الغض. كان يشعر ببرودة المساء تبدأ في التسلل، لكنه لم يعلم أن هناك برودة من نوع آخر تقترب لتجميد نبض حياته للأبد.

‏فجأة، انكسر صمت الوادي بصوت محركات غريبة وصرخات حاقدة. لم يكن يوسف يحمل بندقية أو سكينًا، بل كان سلاحه الوحيد هو إيمانه بحقّه في هذه الأرض وفي أغنامه التي يذود عنها. ظهر "المستوطنون" كالأشباح الكالحة، يحاصرون القطيع ويشهرون حقدهم في وجه البراءة.

‏لم يهرب يوسف. رغم صغر سنه، وقف وقفة الرجال الأشدّاء، مدافعًا عن "رزقه" بقلب لا يعرف الخوف. حاول بجسده النحيل أن يشكل حاجزًا بين الذئاب البشرية وبين أغنامه المسالمة. كان يصرخ فيهم بلغة الأرض، لكن هؤلاء لم يأتوا ليفهموا، بل جاءوا ليسرقوا ويقتلوا.

‏في لحظة خاطفة، دوى صوت الرصاص ليخترق سكون التلال. لم يكتفِ المهاجمون بسرقة القطيع، بل قرروا سرقة "عمر يوسف كله". سقط الفتى على العشب الذي كان يرتوي منه قطيعه، ارتقى "شهيدًا" والابتسامة ربما كانت لا تزال عالقة على ثغره، كأنه يقول: "لقد وفيتُ بعهدي".

‏لم تكتفِ يد الغدر بالقتل، بل ساروا بالقطيع بعيدًا، تاركين خلفهم جسدًا طاهرًا وصرخة مكتومة في أرجاء "جلجليا". رحل يوسف وهو يحاول حماية ما يملك، رحل تاركًا خلفه حكاية بطل لم يحمل سلاحًا، بل حمل كرامة وطن كامل في يدين صغيرتين.

‏يوسف كعابنة لم يكن مجرد خبر في نشرة عاجلة، بل كان حلمًا فلسطينيًا قُتل بدم بارد. ذهب يوسف وبقيت رائحة صموده تفوح في تلال رام الله، لتذكر كل عابر سبيل أن هنا كان يقطن صبيٌّ.. كان قلبه أكبر من عمره بكثير.

تعليقات