القائمة الرئيسية

الصفحات


بقلم حسين عبيد

في قلب الصحراء، حيث تبدو الرمال صامتة جامدة، تختبئ حكايات أخرى لا تُروى بالعين المجردة، بل تُدرك بالبصيرة. هناك، حين نغوص في عمق الفراغ، لا نبحث عن العدم، بل عن النماء. فالصحراء في حقيقتها ليست موتًا، بل انتظارٌ طويل لحياة قادمة.

ما بين عاصمة تُشيد لتكون وجهًا حديثًا للدولة، مثل العاصمة الإدارية الجديدة، وبين مشروع زراعي عملاق كـ الدلتا الجديدة، تتشكل ملامح مرحلة مختلفة في تاريخ مصر. مرحلة عنوانها الأبرز كلمة واحدة: "الجديدة". لكنها ليست مجرد كلمة تُضاف إلى الأسماء، بل هي فلسفة عمل، ورؤية تُترجم إلى واقع.

مشروع الدلتا الجديدة يُعد واحدًا من أكبر المشروعات الزراعية في مصر، حيث يستهدف استصلاح ملايين الأفدنة غرب الدلتا، بهدف تحقيق الأمن الغذائي، وتقليل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، وخلق مجتمعات عمرانية جديدة قائمة على الزراعة الحديثة. إنه ليس مجرد مشروع زراعي، بل إعادة رسم لخريطة الحياة نفسها.

أما المدن الجديدة، فهي ليست مكانًا بقدر ما هي فكرة؛ أن تكون مصر جزءًا فاعلًا في عالم يتغير بسرعة، عبر بنية تحتية حديثة، ومدن ذكية، واستثمارات تُفتح أبوابها للمستقبل. والمدن الجديدة التي تنتشر على أطراف الوادي والدلتا، ما هي إلا شرايين تُمد جسد الدولة بالحياة، وتخفف الضغط عن قلبها القديم.

إن الرابط بين كل هذه المشروعات هو "الجِدّة"… لكنها جدّة تحمل في طياتها الأمل، والعمل، والإصرار على تجاوز التحديات. فالأمم، كالأجساد، قد تمرض وتتعثر، وقد تلتزم الفراش زمنًا، لكنها لا تموت إن بقيت فيها روح الإرادة.

لقد مرت مصر بسنواتٍ عجاف، اختبرت فيها قدرتها على الصمود، لكنها لم تسقط. وكما استعان حاكمها في زمن الشدة بحكمة يوسف عليه السلام وعزيز مصر، لتجاوز المحنة، فإنها اليوم تستعين بالعلم والعمل والتخطيط لمواجهة تحدياتها.

هذه المشروعات، التي تمتد في الصحراء وتبحث عن بيوت للفقراء، ليست مجرد إنجازات هندسية، بل هي محاولات جادة لإخراج الإنسان من دائرة العوز إلى فضاء الكرامة. إنها بحث عن العدالة الاجتماعية في صورة تنمية، وعن الاستقرار في صورة عمران.

ستظل مصر تمرض، نعم… لكنّها لن تموت. لأن في رمالها ذهبًا، لا يلمع في العيون فقط، بل في العقول التي تصنع المستقبل.

تعليقات

تعليق واحد
إرسال تعليق

إرسال تعليق