القائمة الرئيسية

الصفحات


زينب كاظم 

ذبول الشغف المعاصر

سنتحدث في هذا المقال عن سطحية الحب العابر ،ففي عصرٍ يتسم بالسرعة والسيولة، تبدلت الكثير من المفاهيم الإنسانية، ولم يكن الحب بمعزل عن هذا التحول المتسارع، إذ نعيش اليوم في زمنٍ تدور فيه عجلة الحياة بإيقاع لاهث، حتى باتت العواطف تُستهلك كأي سلعة يومية، ومن أبرز المظاهر المقلقة في واقعنا الشبابي، ذلك الفتور المفاجئ وفقدان الشغف السريع الذي يصيب الشاب تجاه من يحب بعد فترة وجيزة من اللقاء، وهي ظاهرة تستدعي التأمل في أسبابها العميقة.

إن أولى خطايا هذا الفتور تعود إلى ثقافة الوفرة الزائفة التي فرضتها وسائل التواصل الاجتماعي، حيث كثرة المعروض من الفتيات في الفضاء الرقمي خلقت انطباعاً واهماً بالبدائل اللانهائية، مما جعل الشاب عاجزاً عن الاستقرار العاطفي، يرافقه في ذلك عجز بعض الفتيات عن التجدد المعرفي والروحي باستمرار لمواكبة هذا الركض، مما يوقع العلاقة في فخ الرتابة والملل السريع، لكن الأزمة الأعمق تكمن في السطحية المتبادلة بين الطرفين،فقد تحول الحب لدى الكثير من اليافعين من رباط مقدس وعاطفة سامية إلى مجرد لعبة للتسلية، يصارحها بوجده صباحاً، وينتهي الأمر بـحظر متبادل مساءً مع أول خلاف بسيط، وهذا الاستسهال أفرغ العلاقات من قيمتها، وجعل الشغف يولد ميتاً، وتلك السطحية تعود أيضاً إلى غياب التوجيه الأسري وغياب القدوة الحقيقية في زمن انمحت فيه الخصوصية العاطفية.

وأمام هذا الجفاف والسطحية المفرطة، بات الكثير من الشباب يميلون غريزياً ونفسياً نحو المرأة المتقدمة في السن، فقد يجد الشاب نفسه منجذباً إلى سيدة مطلقة أو أرملة تكبره بأعوام، مدفوعاً ببحثه عن العمق، وأصالة المشاعر، ورؤيتها الأوسع للأمور، وقدرتها المتجددة على احتواء الحب وفهم تفاصيله، ورغم ما يحمله هذا الخيار من بريق ونضج مؤقت، إلا أنه في ميزان مجتمعاتنا وبيئتنا الأخلاقية والثقافية يظل خياراً غير مقبول، ومساراً غير صحي لبناء أسرة مستقرة، فسرعان ما تصطدم هذه العلاقات بفجوة العمر واختلاف الأولويات؛ ليرى الشاب نفسه بعد حين سواء أكانت العلاقة حباً أم زواجاً أنه قد ظلم نفسه وظلم شريكته حين وضع قطار حياته في غير مساره الطبيعي، ويكتشف أن ذلك الارتواء المؤقت لم يكن سوى خديعة بصرية هرباً من واقع باهت.

إن المخرج الحقيقي من هذه المتاهة النفسية والاجتماعية لا يكون بالركض وراء السراب، بل بالعودة إلى حكمة النضج والانتظار حيث يجب على الشاب والشابة عدم التسرع في خوض غمار العلاقات العاطفية حتى يصلوا إلى مرحلة من الوعي الفكري والنفسي التي تؤهلهم للاختيار الصحيح والمسؤول، والابتعاد تماماً عن هذه العلاقات العابرة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، بل تترك ندوباً نفسية غائرة ونظرة مشوهة ومبتذلة عن أسمى عاطفة بشرية، والبديل الأسمى هو أن يشغل الشباب والشابات أوقاتهم وثروة أعمارهم بما يبنيهم إنسانياً ومعرفياً؛ بالعبادة التي تمنح الروح السكينة والتحصين، وبالعمل والدراسة اللذين يصنعان المستقبل ويصقلان الوعي، حتى يحين أوان قطف زهرة الحب الناضج، الصحيح، السليم، الذي ينمو في ظل الاستقرار الإلهي والاجتماعي، ويثمر في أرض البقاء.

تعليقات