بقلم / محمـــد الدكـــروري
لقد بشر الله تعالى عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات بكبير الجزاء، وعظيم الثواب، ورفيع الدرجات في ست وثلاثين آية من كتابه الكريم، بشرهم بالجنة والخلود فيها، والأمن يوم الخوف، والفوز يوم يخسر الناس كلهم، وبشرهم بزيادة الفضل لهم، والوعد بالمغفرة، وعظيم الثواب والأجر، ورفع الحرج عنهم، وهنأهم بالفوز والمقام الطيب في مستقر رحمته، وبشرهم بادخار أعمالهم، وحفظها لهم، ووعدهم بأن يجعل لهم مودة في قلوب الخلق فقال تعالي في سورة مريم " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا" وكما اخبر الله تعالى عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنهم خير الخليقة، وهم أهل الأمن والأمان يوم يفزع الناس، والذين آمنوا وعملوا الصالحات هم أمنة لأنفسهم، ومجتمعاتهم وبلدانهم لأنهم بأعمالهم الصالحة يصرف الله تعالى عن البلاد والعباد السوء والمكروه من الحوادث والكوارث والعذاب والأمراض، فببركتهم يبارك الله تعالى على البلاد والعباد.
ويحفظ الله تعالى بهم من الفتن والمحن، فإنهم أعقل العباد وأفطن من خلق الله تعالى لأنهم أدركوا بفضل الله ومنته، وفطنوا لماذا خلقهم الله فقاموا بما أوجب عليهم وهي العبادة له سبحانه، فلم تشغلهم تجارة ولا دنيا ولا متاع عن عبادة ربهم عز وجل، ولو لم يكن في العمل الصالح إلا السلامة والنجاة في الآخرة، لكفى به شرفا، فكيف وقد أحاط العمل الصالح بكل فضيلة وكرامة؟ والعمل الصالح نجاة وسلامة وعافية، فقد فرج الله تعالى عن الثلاثة الذين دخلوا الغار، فتدحرجت صخرة فسدت باب الغار عليهم، فدعوا الله تعالى بأعمالهم الصالحة التي عملوها، ففرج الله عنهم، والقصة مشهورة في الحديث الصحيح، وأنجى الله عز وجل ذا النون من الظلمات ببركة ذكره لربه عز وجل، لأنه كان ذاكرا لربه من قبل هذا وليس في بطن الحوت فقط، وحفظ الله عز وجل كنز الرجل الصالح لولديه حتى يبلغا لصلاح والدهما، وهكذا فإن الأعمال الصالحة كثيره وأعمال الخير لا تحصي، ولا تعد، ولأجل شرف ذكر الله عز وجل.
عظمت رتبة الشهادة لأن المطلوب الخاتمة، ونعني بالخاتمة وداع الدنيا والقدوم على الله والقلب مستغرق بالله تعالي منقطع العلائق عن غيره، فإن قدر عبد على أن يجعل همّه مستغرقا بالله تعالي فلا يقدر على أن يموت على تلك الحالة إلا في صف القتال، فإنه قطع الطمع عن مهجته وأهله وماله وولده، بل من الدنيا كلها فإنه يريدها لحياته وقد هون على قلبه حياته في حب الله تعالي ونيل مرضاته، فلا تجرد لله أعظم من ذلك، ولذلك عظم أمر الشهادة وورد فيه من الفضائل ما لا يحصى، ويقول الإمام النووي رحمه الله "وأما سبب تسميته شهيدا فقال النضر بن شميل لأنه حي فإن أرواحهم شهدت وحضرت دار السلام وأرواح غيرهم إنما تشهدها يوم القيامة، وقال ابن الأنباري إن الله تعالى وملائكته عليهم الصلاة والسلام يشهدون له بالجنة، وقيل لأنه شهد عند خروج روحه ما أعده الله تعالى له من الثواب والكرامة، وقيل لأن ملائكة الرحمة يشهدونه فيأخذون روحه، وقيل لأنه شهد له بالإيمان وخاتمة الخير بظاهر حاله.
وقيل لأن عليه شاهدا بكونه شهيدا، وهو الدم، وقيل لأنه ممن يشهد على الأمم يوم القيامة بإبلاغ الرسل الرسالة إليهم، وعلى هذا القول يشاركهم غيرهم في هذا الوصف، وإن الجهاد في سبيل الله عز وجل، هو باب من أبواب الجنة، قد فتحه الله عز وجل لخاصة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجنته الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل، وشملةَ البلاء، وإن الجهاد في سبيل الله تعالى نتائجه لاحبة ومُبصرة في الحياة الدنيا، ومنتظرة في الدار الآخرة، وهى سُنة الله تعالى، في تمييز الخبيث من الطيب وهى فرز في الدنيا للدنيا، وفرز في الآخرة للآخرة، وإن جزاء الخبثاء في الدنيا هو الخزي، وفي الآخرة هم ركام جهنم، وإن للطيبين إحدى الحسنيين، أو الحسنيان معا، فى الدنيا والآخرة، وهى عزة في الدنيا، وكرامة في الجنة، وإن الجهاد في سبيل الله تعالى، هو مفتاح الخير، وباب الفلاح، وإن الجهاد في سبيل الله هو باب الشهادة، وإن الشهادة ثوابها هو الجنة، وإن الشهيد حي عند ربه.
وإن المجاهد في سبيل الله أفضل من القاعد المتقاعس، فإن له درجات عند الله، وفضل عظيم، فالله سبحانه وتعالى، جعل الجهاد ذروة سنام الإسلام، تشريفا له وإعظاما، وإن فضل المجاهدين عى القاعدين من المؤمنين، ولو كانوا سُجّدا وقياما، وهكذا فإن الشهيد استعلى على محبوباته وتغلّب على شهواته وإسترخص الحياة في نيل شرف الشهادة في سبيل الله، والشوق للشهادة دعا الصحابي ابن أم مكتوم رضي الله عنه وهو ضرير أعمى لا يبصر أن يقول أي رب أنزل عذري فأنزلت "غير أولي الضرر" فله عذر بعدم الجهاد لكن هل جلس بعد ذلك في بيته أو ركن إلى الدنيا ومتاعها، كلا بل كان يغزو ويقول ادفعوا إلي اللواء فإني أعمى لا أستطيع أن أفر، وأقيموني بين الصفين، فالمسلم لا يحزن عندما يرى كثرة أعداد الشهداء فقد إختارهم الله وإصطفاهم للشهادة، لكن المحزن أن يقف العالم متفرجا على مشاهد القتل والتدمير، ولكن المحزن هو إنشغال شباب الأمة بترهات وتفاهات لا تستحق عليها أمة الإسلام النصر.

تعليقات
إرسال تعليق