بقلم: علي فتحي سراج
في قلب مدينة الإسكندرية، عروس البحر الأبيض المتوسط التي طالما كانت منارة للثقافة والفنون، وتحديداً في حي سموحة الراقي، كانت الأجواء تنبض بحراك استثنائي لا تخطئه العين.
وجهتي كانت مدرسة "الخنساء الإعدادية للبنات"، تلك المؤسسة التعليمية العريقة التي فتحت أبوابها، وشرعت نوافذها، لتكون "البيت الكبير" والمضيف الكريم لحدث يمثل علامة فارقة في تاريخ الأنشطة المدرسية: المعرض العام للصحافة والإعلام التربوي.
لم أكن أخطو نحو مجرد معرض مدرسي روتيني تُعلق فيه بعض اللوحات وتُلقى فيه بضع كلمات؛ بل كنت أعبر بوابة زمنية تضعني وجهاً لوجه أمام "صحوة كبرى".
إن ما التمسته في ذلك اليوم، وما شهدته بأم عيني في ساحات وأروقة مدرسة الخنساء، لم يكن سوى الإعلان الرسمي عن انطلاق "العصر الذهبي للإعلام التربوي" في مصر. عصر تقوده دماء جديدة، وعقول شابة لا تعترف بالمستحيل، وتبحث بشغف لا يهدأ عن التطوير والنهضة الحقيقية.
المفاجأة الأجمل التي استوقفتني وتأملتها طويلاً بمجرد دخولي إلى المعرض، هي تلك اللوحة البشرية المبهرة التي تشكلت في الساحة.
فرغم أن "الخنساء" هي مدرسة إعدادية للبنات، إلا أنها في هذا اليوم المشهود تجردت من حدود أسوارها لتصبح "عاصمة للإعلام التربوي" تستضيف وتجمع بين طياتها مدارس المحافظة كافة.
لقد كان المشهد يفيض بالحيوية؛ طلاب وطالبات، جنباً إلى جنب، بألوان زيهم المدرسي المتنوع الذي يعكس مدارس ومراحل تعليمية مختلفة، تجمعهم خيمة واحدة وشغف واحد.
رأيت الطالب الذي جاء من مدرسته حاملاً مجلته الحائطية التي سهر على إخراجها، يقف بفخر إلى جوار الطالبة من مدرسة الخنساء أو غيرها، والتي تنسق ببراعة مطوياتها الصحفية.
هذا التمازج الرائع، وهذا التواجد المشترك للطلاب والطالبات تحت سقف واحد، كسر كل الحواجز، وأكد على حقيقة راسخة: الإعلام التربوي هو اللغة العالمية التي توحد أبناء الجيل الواحد، وهو الميدان الذي تتنافس فيه العقول وتتكامل فيه المواهب دون تفرقة.
لقد ضربت مدرسة الخنساء، بصفتها المدرسة المضيفة، أروع الأمثلة في الكرم التنظيمي والقدرة على استيعاب هذا الزخم البشري والإبداعي، لتتحول فصولها وممراتها إلى قاعات عرض تضاهي في تنظيمها كبرى المعارض الثقافية.
إن جوهر هذا العصر الذهبي الذي نعيش إرهاصاته اليوم، يكمن في تلك "الدماء الجديدة" التي ضُخت بقوة في شرايين منظومة الإعلام التربوي.
ولست أقصد هنا الطلاب فحسب، بل أقصد منظومة متكاملة تشمل أخصائيي الإعلام التربوي الشباب، والمعلمين، والقيادات التوجيهية التي آمنت بأن التغيير لم يعد خياراً، بل حتمية للبقاء والتأثير.
لقد ولى إلى غير رجعة عصر "النخبوية" في الصحافة المدرسية؛ ذلك العصر الذي كان فيه النشاط حكراً على طالب واحد موهوب في الخط، أو طالبة تمتلك ملكة الإلقاء، بينما يقف الباقون في صفوف المتفرجين. ما شهدته في المعرض العام بالخنساء هو "سيمفونية تشاركية" يعزفها الجميع.
الكل يعمل، الكل يشارك، والكل يدرك أن له دوراً محورياً في نجاح العمل النهائي.
في إحدى زوايا المعرض، تجد طالباً يشرح للجنة التحكيم والزوار كيف اعتمد في تحقيقه الصحفي على استطلاعات رأي إلكترونية، وفي الزاوية المقابلة تقف طالبة تستعرض مجلة مدرسية تم تصميمها بالكامل باستخدام أحدث برامج الإخراج الصحفي الرقمي (Digital Design).
هناك من يكتب، وهناك من يصور، ومن يراجع، ومن يصمم. لقد تحولت جماعات الصحافة المدرسية إلى "غرف أخبار" حقيقية مصغرة (Newsrooms)، تدار بعقلية احترافية، وتستوعب كافة الفروق الفردية، وتحولها إلى طاقة إنتاجية مبهرة.
إن النهضة التي نبحث عنها ونشهد بداياتها اليوم، تتجاوز حدود الشكل والإخراج، لتغوص في عمق "المحتوى" و"الفلسفة التربوية". الإعلام التربوي في عصره الذهبي لم يعد مجرد مساحة لنسخ المعلومات من الكتب أو الإنترنت ولصقها على الورق المقوى. لقد أصبح "أداة لبناء الوعي"، وحائط صد منيع لحماية عقول أبنائنا.
خلال جولتي بين معروضات الطلاب والطالبات، توقفت مشدوهاً أمام وعي هذا الجيل. لم تكن الموضوعات المطروحة ساذجة أو مكررة؛ بل رأيت أقلاماً شابة تناقش بشجاعة وعمق قضايا التغير المناخي، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وخطورة الشائعات في عصر السوشيال ميديا، والتنمية المستدامة، بل والمشروعات القومية برؤية تحليلية تسبق أعمارهم بسنوات. لقد أثبت هؤلاء الطلاب والطالبات أنهم ليسوا متلقين سلبيين، بل هم فاعلون حقيقيون يمتلكون رؤية نقدية لما يدور حولهم.
إن هذا النضج الفكري هو الثمرة الحقيقية لمفهوم "التربية الإعلامية" (Media Literacy) الذي أخذت الدماء الجديدة على عاتقها ترسيخه. نحن نعلمهم اليوم كيف يتحققون من الخبر قبل نشره، وكيف يفرقون بين الحقيقة والرأي، وكيف يعبرون عن أفكارهم بحرية مسؤولة. هذه هي المهارات التي تبني شخصية المواطن المصري القادر على خوض غمار المستقبل بثبات.
من أعظم المكاسب التي حققها استضافة مدرسة الخنساء لهذا المعرض العام، هو خلق بيئة خصبة لـ "تفاعل الأنداد" (Peer-to-Peer Interaction). عندما يلتقي طلاب وطالبات من بيئات مدرسية مختلفة، تتبادل الأفكار وتتلاقح الرؤى في مشهد ديمقراطي رائع.
كنت أراقب بشغف كيف يقف طالب من مدرسة ثانوية ليتبادل أطراف الحديث مع طالبة في المرحلة الإعدادية حول أفضل الطرق لتنسيق الألوان في المجلة الحائطية، أو كيف تتناقش مجموعة من الطلاب والطالبات حول تقنيات إجراء الحوار الصحفي الناجح. هذا الاحتكاك المباشر كسر الجزر المنعزلة التي كانت تعيش فيها المدارس، وخلق مجتمعاً إعلامياً طلابياً واعياً ومترابطاً. لقد تحول المعرض من ساحة للتنافس وحصد المراكز، إلى منصة ضخمة للتعلم التعاوني، وتبادل الخبرات، واستلهام الأفكار الإبداعية.
لا يمكن لأي قلم منصف أن يكتب عن هذه الطفرة وهذا العصر الذهبي دون أن يتوقف إجلالاً وتقديراً للقيادات التي تقف خلف الكواليس. إن خروج معرض بهذا الحجم، وبهذه الكثافة العددية والتنوع (بين بنين وبنات من مختلف المدارس) داخل مدرسة مستضيفة مثل الخنساء، هو دليل قاطع على وجود قيادة تعليمية وتوجيهية تمتلك رؤية استراتيجية واضحة.
النهضة لا تحدث صدفة، والدماء الجديدة تحتاج إلى قنوات آمنة ومفتوحة لتتدفق فيها. إن توفير الدعم المعنوي واللوجستي، وتذليل العقبات، والإيمان بقدرات أخصائيي الإعلام التربوي ومنحهم مساحة من الحرية للإبداع مع طلابهم، هو "سر الخلطة السحرية" التي أنتجت هذا الإبهار. عندما يجد الأخصائي والمدير والطالب أن هناك منظومة توجيهية ترعى جهدهم، وتحتفي به في محفل عام بهذا الرقي، فإنهم يخرجون أفضل ما لديهم، وتتحول الأنشطة من عبء إداري إلى شغف يومي.
ونحن نعيش هذه النشوة بنجاح المعرض العام، ونشهد تفتح أزهار العصر الذهبي للإعلام التربوي، يجب أن ندرك أن هذه هي البداية فقط. الطموح الذي يحمله هؤلاء الشباب وتلك الفتيات يعانق السماء، وعلينا أن نكون على قدر هذا الطموح.
إن ما رأيناه في أروقة "الخنساء" يجب أن يكون نقطة انطلاق لـ "مأسسة" هذا الإبداع وتطوير أدواته. نحن في أمس الحاجة اليوم إلى إنشاء منصات رقمية إعلامية موحدة، وتطوير نظم تقنية قادرة على استيعاب هذه الطاقات وأتمتة مخرجات الإعلام التربوي، ليكون لدينا أرشيف رقمي ضخم يوثق إبداعات هؤلاء الطلاب، ويجعله متاحاً للمجتمع بأسره. يجب أن نمضي قدماً في دمج التكنولوجيا المتقدمة، وأدوات الذكاء الاصطناعي، وصحافة الموبايل، لتكون أدوات أصيلة في أيدي طلابنا.
وحين غادرت مدرسة الخنساء في ذلك اليوم، لم أكن وحيداً؛ كانت ترافقني ضحكات الطلاب والطالبات الممزوجة بحماس الإنجاز، وكانت تملأ عقلي صور تلك اللوحات والمجلات التي تنبض بالحياة.
لقد عدت بيقين ثابت، لا تشوبه شائبة، بأن مصر ولادة، وأن المنظومة التعليمية بخير طالما فيها دماء تبحث عن النهضة وتأبى الاستسلام للتقليد.
العصر الذهبي للإعلام التربوي قد بزغ فجره بالفعل، وشرارته التي أضاءت ساحات الخنساء بالإسكندرية، بمشاركة أبنائنا وبناتنا، ستنتقل حتماً لتنير كل شبر في هذا الوطن.
لكل طالب وطالبة شاركوا في هذا الحدث، ولكل مدرسة حطت رحالها ضيفة عزيزة، ولمدرسة الخنساء التي فتحت ذراعيها حاضنة لهذا الإبداع... أقولها بملء الفيه: أنتم لستم مجرد ممارسين لنشاط مدرسي، أنتم صنّاع الوعي، وقادة المستقبل، والأمل المشرق الذي نستند إليه لبناء وطن يزهو بعقول أبنائه.

تعليقات
إرسال تعليق