بقلم: لايف كوتش علاقات زينب محمود
هناك أشياء كثيرة نرثها من عائلاتنا لا تُكتب في الأوراق الرسمية، ولا تُحفظ داخل الصناديق القديمة، لكنها تسكن أعماقنا وتؤثر في طريقة تفكيرنا وشعورنا ونظرتنا للحياة. إنها المعتقدات والأفكار والمشاعر التي تنتقل من جيل إلى جيل، حتى تصبح جزءًا من تكويننا النفسي دون أن نشعر.
المعتقدات التي بتتورث… مش دايمًا بتكون حقيقتك.
كثير من الناس يعيشون سنوات طويلة وهم يحملون أفكارًا ومشاعر موروثة، ظانين أنها حقائق ثابتة لا تقبل النقاش، بينما هي في الأصل تجارب عاشها من سبقوهم. فالجدة ربما عاشت خوفًا معينًا بسبب ظروف صعبة مرت بها، فنقلت هذا الخوف إلى الأم. والأم حملت نفس الخوف أو نفس الألم، ثم أوصلته إلى ابنتها دون قصد.
وهكذا تستمر السلسلة.
نجد أنفسنا نردد عبارات سمعناها منذ الصغر حتى أصبحت جزءًا من قناعاتنا، مثل: لازم أستحمل عشان أكون قوية. الحب لازم فيه تعب وألم. التعبير عن المشاعر ضعف. لازم أرضي الكل حتى لو على حساب نفسي.
ومع مرور الوقت تتحول هذه المعتقدات إلى ما يشبه الحمل النفسي الثقيل، أو "الشيلة النفسية" التي يحملها كل جيل ويسلمها للجيل الذي يليه، دون أن يتوقف أحد ليسأل نفسه: هل هذه حقيقتي فعلًا؟ أم أنها مجرد أفكار ومخاوف انتقلت إليّ من الآخرين؟
تكمن المشكلة في أن الإنسان حين يتعامل مع هذه المعتقدات باعتبارها حقائق مطلقة، فإنه يبني عليها قراراته وعلاقاته وتوقعاته من الحياة. فيستمر في تحمل ما لا يجب تحمله، ويقبل علاقات مؤذية لأنه مقتنع أن الحب مرتبط بالألم، ويكبت مشاعره خوفًا من أن يُنظر إليه على أنه ضعيف، ويستنزف نفسه في محاولة إرضاء الجميع.
هنا يأتي دور الوعي.
فالوعي هو اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان بمراقبة ما بداخله، والتساؤل عن جذور أفكاره ومشاعره. عندما نلاحظ ما نحمله من معتقدات قديمة، نستطيع أن نميز بين ما يناسبنا وما لم يعد يخدم حياتنا. عندها فقط نمتلك القدرة على كسر الحلقة، واختيار طريق مختلف وأكثر صحة وراحة.
إن اختيار حياة أخف لا يعني التمرد على العائلة أو رفض الماضي، بل يعني فهمه والتعلم منه. كما أن بناء علاقات صحية لا يتحقق إلا عندما نتخلص من القناعات التي تربط الحب بالتعب أو التضحية المفرطة. كذلك فإن الوصول إلى مشاعر أكثر هدوءًا يحتاج إلى مصالحة داخلية تجعل الإنسان أكثر قبولًا لنفسه وأكثر احترامًا لاحتياجاته.
والأهم من ذلك كله أن الشفاء الحقيقي لا يبدأ بلوم من سبقونا. فآباؤنا وأجدادنا غالبًا نقلوا ما عرفوه وما عاشوه، ولم يقصدوا أن يورثونا الألم أو الخوف. لذلك فإن الشفاء ليس في توجيه الاتهامات للماضي، بل في اتخاذ قرار واعٍ بعدم استمرار انتقال الجروح عبر الأجيال.
عندما نختار الوعي بدل الخوف، والمحبة بدل الألم، والتفاهم بدل الأحكام، فإننا لا نشفي أنفسنا فقط، بل نصنع إرثًا نفسيًا جديدًا للأجيال القادمة. إرثًا قائمًا على الاحتواء والطمأنينة والثقة بالنفس.
فربما تكون أعظم هدية يمكن أن نقدمها لمن بعدنا ليست المال ولا الممتلكات، بل أن نوقف انتقال الألم، ونبدأ نورّث حبًا ووعيًا بدل خوف وجروح. وهنا يبدأ التغيير الحقيقي، وهنا يولد الشفاء الذي يمتد أثره من قل
ب إلى قلب، ومن جيل إلى جيل.

تعليقات
إرسال تعليق