بقلم: هالة المغاوري
في سياق دولي يتسم بتزايد الضغوط على الإعلام وتآكل المساحات الحرة للتعبير، برزت فعالية اليوم العالمي لحرية الصحافة في مركز فيينا الدولي كمنصة فكرية تعيد طرح الأسئلة الكبرى حول مستقبل المهنة ودورها في عالم متغير. الحدث، الذي نظمته United Nations Correspondents Association Vienna، تجاوز الطابع الاحتفالي التقليدي، ليتحول إلى نقاش معمّق حول موقع الصحافة بين السلطة، والتكنولوجيا، والتحولات الجيوسياسية المتسارعة.
منذ افتتاح الجلسة، تم التأكيد على أن حرية الصحافة لم تعد قضية مبدئية مجردة، بل أصبحت ميدان صراع فعلي تتقاطع فيه المصالح السياسية مع الثورة الرقمية. وأشارت إدارة الجلسة إلى أن التحديات التي تواجه الصحفيين لم تعد مقتصرة على الأنظمة غير الديمقراطية، بل باتت تمتد إلى بيئات يُفترض أنها ضامنة لحرية التعبير، ما يعكس تحولات عميقة في العلاقة بين الإعلام والسلطة.
هذا الطرح تعزز برسالة الأمين العام للأمم المتحدة António Guterres، التي سلّطت الضوء على واقع مقلق يتمثل في تصاعد الانتهاكات ضد الصحفيين، في ظل معدلات مرتفعة للإفلات من العقاب. وأكدت الرسالة أن الصحفيين باتوا يدفعون ثمن نقل الحقيقة، ليس فقط عبر التضييق، بل عبر التهديد المباشر لحياتهم، في مشهد يعكس هشاشة منظومة الحماية الدولية.
وفي الإطار ذاته، طرحت UNESCO رؤية أوسع لحرية التعبير، معتبرة أنها لم تعد محصورة في الفضاء السياسي، بل انتقلت إلى المجال الرقمي، حيث تتفاقم تحديات المعلومات المضللة، وتتعثر التشريعات في مواكبة التطور التكنولوجي المتسارع. هذا التحول يفرض إعادة تعريف أدوات حماية الحقيقة، في ظل بيئة إعلامية أكثر تعقيدًا وتشابكًا.
من جانب آخر، تناولت المداخلات البعد الدبلوماسي لعلاقة الصحافة بصناعة القرار، حيث تم تفكيك الصورة النمطية التي تضع الإعلام في مواجهة مباشرة مع العمل الدبلوماسي. وجرى التأكيد على أن التوازن بين السرية والشفافية لم يعد خيارًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة المفاوضات الدولية، التي تحتاج إلى قدر من الكتمان لبناء الثقة، دون أن تفقد في النهاية التزامها بالمساءلة أمام الرأي العام.
غير أن هذا التوازن بات مهددًا بفعل التحولات في أدوات الاتصال السياسي، حيث أصبح بإمكان القادة تجاوز الوسائط الإعلامية التقليدية والتواصل مباشرة مع الجمهور، ما يحدّ من الدور النقدي للصحافة، ويعيد تشكيل علاقتها بالسلطة.
وفي قراءة للواقع العالمي، حذّر المعهد الدولي للصحافة من تصاعد غير مسبوق في الانتهاكات بحق الصحفيين، مشيرًا إلى أن الخطر لا يكمن فقط في الاعتداءات المباشرة، بل في غياب آليات دولية فعالة للمساءلة، ما يعزز مناخ الإفلات من العقاب ويقوّض الثقة في حماية المهنة.
وعلى المستوى الإنساني، نقلت التجارب الميدانية للصحفيين في مناطق النزاع صورة أكثر تعقيدًا للواقع، حيث لم تعد الصحافة مجرد نقل للأحداث، بل أصبحت شهادة حية على التاريخ. وأبرزت هذه الشهادات حجم التحديات التي يواجهها الصحفيون، من العمل تحت القصف، إلى الضغوط المهنية، وصولًا إلى فقدان الوظائف نتيجة التمسك بالمعايير المهنية.
كما تم تسليط الضوء على التحديات الخاصة التي تواجهها الصحفيات، اللواتي يجمعن بين فرص أوسع للوصول إلى مصادر المعلومات، ومخاطر مضاعفة في البيئات الهشة، ما يطرح تساؤلات حول العدالة المهنية والحماية المتكافئة داخل المجال الإعلامي.
وفي مقاربة مختلفة، تم التطرق إلى دور الثقافة والفن في ترسيخ حرية التعبير، حيث برزت أهمية التربية المبكرة على حرية الرأي، باعتبارها الأساس الذي يُبنى عليه وعي الأجيال القادمة. وأكدت هذه الرؤية أن الدفاع عن حرية الصحافة لا يبدأ من المؤسسات فقط، بل من بناء إنسان قادر على التعبير والنقد منذ الطفولة.
الفعالية، التي تخللتها عروض فنية وموسيقية، عكست تكامل الأبعاد الثقافية والإعلامية في الدفاع عن حرية التعبير، مؤكدة أن الحقيقة لا تُنقل فقط بالكلمات، بل أيضًا بالإبداع.
وفي ختام النقاشات، بدا واضحًا أن حرية الصحافة تواجه لحظة مفصلية، حيث تتقاطع الضغوط السياسية مع التحديات الرقمية والمخاطر الميدانية. ومع ذلك، ظل الإجماع قائمًا على أن الصحافة، رغم كل التحديات، لا تزال تمثل أحد أعمدة المجتمعات الديمقراطية.
وفي عالم تتزايد فيه محاولات السيطرة على السرديات وتوجيه الرأي العام، تبقى الحقيقة في اختبار مستمر. لكن السؤال الأهم الذي فرض نفسه في فيينا لم يكن حول حجم التحديات، بل حول قدرة الصحافة على إعادة تعريف دورها، والاستمرار كخط الدفاع الأول عن الشفافية والمساءلة في عصر تتغير فيه قواعد اللعبة.

تعليقات
إرسال تعليق