بقلم/ محمـــد الدكــــروري
إعلموا أن من أسباب السعادة والهناء أن نعلم أن كلام الناس فينا لا يضر، وإنما يضرهم إلا إذا إلتفت إليه ونظر إليه الإنسان فإنه يضره كما ضرهم، فعليك أن تعلم أن كلام الناس لا يضرك لا تلتفت إليه، فإذا نقدك إنسان نقدا بناء فعليك أن تتقبله هذا النقد لأن هذا بناء لك، أما النقد السلبي، فلا تلتفت إليه، واعلم بأن هذا يهدي إليك أغلى ما يملك، يهدي إليك حسناته، فبعض الناس يشقي نفسه فيما يقوله الناس عنه، واعلم وتأمل معي قول الله عز وجل "إن الله يدافع عن الذين آمنوا" ولو قيل لك أن فلانا من الناس من له المكانة يدافع عنك؟ لنشرح صدرك، وطابت نفسك، كيف وبالملك جل وعلا يدافع عنك؟ كيف ومن بيده الأمر كله سبحانه وتعالى، فإن السعادة مطلب العقلاء، ومبتغى الكبراء، وحلم يراود الضعفاء، ولكن الناس متفاوتون في فهم حقيقتها، ومتباينون في طرق الوصول إليها، منهم من يراها في المال والولد، ومنهم من يراها في الجاه والمنصب.
ومنهم من يراها في توفر الشهوات يعب منها عبا، غير آبه بما يحل وما يحرم، ولا فرق عنده بين ممنوع ومشروع، ومنهم من يراها في السبق في مجال الصناعة والاختراع ومنهم من يراها في القصور الفارهة، والحسان الغانية، والخيل المسمومة والأنعام والحرث، وكل ذلك من متاع الحياة الدنيا الفانية، ولكن ثمة ما هو أنفع وأبقى، ولقد أخطأ طريق السعادة فرعون الذي ظن الملك والجبروت طريقه الآمن الدائم، فقال قولته الظالمة الآثمة "يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي" وأعلن على الملأ عقيدته وجعل فيه عبرة وكان لمن خلفه آية وأبصر هو وجنده المخدوعون به آثار الشقوة وهم بعد لم يفارقوا الدنيا، أعلن الندم والتوبة ولكن هيهات وحين أضل طريق السعادة فرعون ومن على شاكلته في الكفر والطغيان، وجدها فتية مستضعفون آمنوا بربهم واعتزلوا معبودات قومهم، وكان نصيبهم من الأرض حين العزلة كهفا تقل مساحته في الأرض.
وتضيق منافذه الظاهرة نحو السماء، حتى إن الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال، ولو اطلعت عليهم داخله لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا، ومع ذلك فالسعادة تحيط بهم، والرحمة منشورة عليهم، والعقبى كانت لهم تلك ثمرات الإيمان وذلك طريق السعادة لمن رام الجنان، ولقد أسلم ثمامة بن أثال دون ضغط أو إكراه، بل إن إسلامه وُلد قويا إلى الدرجة التي دفعته إلى مقاطعة قريش من أجل أنها تحارب رسول الله صلي الله عليه وسلم، مُضحيا بذلك بثروة هائلة كانت تأتيه من تجارته معها، ومُضحيا كذلك بعلاقات اجتماعية مهمة مع أشراف قريش، ولقد جاء في كتاب الله تحديد طريق السعادة والفلاح فمرة باتباع هدى الله تعالى، ومرة بالإيمان وعمل الصالحات، ومرة بتزكية النفس وتحليها بالصفات الحميدة وإبعادها عن الصفات المذمومة، ومرة بالقيام بالواجبات والانتهاء عن المحرمات.
فإذا كانت الحيرة والشك والضلال عذابا وجحيما لا يطاق في الدنيا، والآثار في الآخرة أشد وأبقى، فإن الإيمان واليقين سبيل للسعادة في الآخرة والأولى، فإنه محال أن يجد السعادة أصحاب الخنا والغناء، والكؤوس المحرمة، وأهل الريب والرذيلة والمعاصي مهما أوتوا من حظوظ الدنيا، إن لم يهتدوا ويتوبوا، ذلكم لأن ذل المعصية يحيط بهم ويقعد بهم السعادة الحقيقية "إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين، إن ذلك المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه" وإذا أفلس من السعادة أرباب الأموال العظيمة والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، وقارون نموذج للانتكاسة والشقوة، ولمن يمنعه ماله، وقد أتاه الله من الكنوز ما إن مفاتيحه لتنوء بالعصبة أولو القوة فقد خسف الله به وبداره الارض فهو يتجلجل بها إلى يوم القيامة، فإذا أفلس هؤلاء ووجد السعادة وحققها بكل معانيها من اتصلوا بالله وأطاعوه، ولو كان نصيبهم من العيش كفافا.
ولو كان فرشهم حصيرا يبقى لها بعد النوم في الجنوب أثر، فإن للإيمان والاستقامة على الحق أثرا حميدا حاضرا ومستقبلا، وإن طاعة الله ورسوله سبب للفوز والفلاح، وتأمل نعيم الأبرار، وجحيم الفجار الوارد في قوله تعالى "إن الأبرار لفى نعيم وإن الفجار لفى جحيم" ويقول ابن القيم رحمه الله ولا تظن أن قوله تعالى"إن الأبرار لفى نعيم وإن الفجار لفى جحيم" مختص بيوم المعاد فقط، بل هؤلاء في نعيم في دورهم الثلاثة، وهؤلاء في جحيم في دورهم الثلاثة وأي لذة ونعيم في الدنيا أطيب من بر القلب، وسلامة الصدر ومعرفة الرب تعالى ومحبته، والعمل على موافقته، وهل العيش في الحقيقة إلا عيش القلب السليم، وهو الذي سلم من الشرك والغل والحق والحسد والشح والكبر وحب الدنيا والرياسة فهذا القلب السليم في جنة معجلة في الدنيا، وفي جنة في البرزخ، وفي جنة يوم المعاد، وقال بعض العارفين وهو يستشعر محبة الله تعالى ويتنعم بعبادته إن كنت في الجنة في مثل هذه الحالة، فإني إذا في عيش طيب.

تعليقات
إرسال تعليق