يُعد باب التطليق في مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين من أكثر الأبواب إثارةً للجدل؛ لما تضمنه من توسع شديد في المفاهيم، واضطراب في الصياغة، وخلط بين الأفعال ووسائل إثباتها، بما يهدد بتحويل النصوص من قواعد قانونية منضبطة إلى عبارات فضفاضة قابلة للتأويل والتوسع.
فقد عرّف المشروع الزنا باعتباره حالة التلبس بالفعل، مع جواز إثباته بكافة طرق الإثبات، وأوجب رفع الدعوى خلال ستة أشهر. إلا أن هذا التنظيم يثير إشكالية قانونية؛ لأن القاعدة المستقرة في قانون الإجراءات الجنائية أن “الجنائي يوقف المدني”، بما قد يؤدي عمليًا إلى امتداد هذا الميعاد لحين الفصل في الدعوى الجنائية المرتبطة بالفعل.
أما الأخطر، فهو تعريف المشروع للزنا الحكمي بالنص على:
“ويُعتبر في حكم الزنا أي عمل يدل على الخيانة الزوجية.”
ثم أورد المشروع حالاته على سبيل المثال لا الحصر بقوله:
“كما في الأحوال الآتية...”
وهذا التعريف — في تقديرنا — معيب تشريعيًا؛ لأنه خلط بين “حالات الزنا الحكمي” وبين “وسائل إثباته”. والدليل على هذا الخلط أن المشروع نص بالنسبة للطائفة الإنجيلية على:
“يثبت الزنا بكل عمل يدل على الخيانة الزوجية.”
وهو ما يؤكد اضطراب الصياغة بين تعريف الفعل ذاته وبين طرق إثباته.
فالزنا الحكمي — بحسب فلسفة التشريع — ليس مجرد شبهة أو تصرف غير منضبط، وإنما هو فعل لا يصل إلى حد التلبس الكامل بالزنا، لكنه يكشف بذاته وبصورة قاطعة عن وقوعه. أما مجرد سوء السلوك أو التصرفات المحتملة فلا يجوز مساواتها بالزنا الكامل.
ولذلك فإن الصياغة الأدق قانونًا والأكثر انضباطًا هي:
“ويُعتبر في حكم الزنا كل عمل يُنبئ بذاته عن وقوع الزنا”
فهذه الصياغة تربط الحكم بالفعل القاطع الدلالة، لا بمجرد الظنون أو التأويلات أو الانطباعات الشخصية.
أما النصوص المتعلقة بـ“التحريض أو التعريض على الزنا”، فهي تثير اضطرابًا تشريعيًا واضحًا؛ لأن التحريض في المفهوم القانوني هو الحث على ارتكاب جريمة. وبالتالي لا يُتصور وجود تحريض مستقل عن وقوع الجريمة ذاتها.
فإذا وقع الزنا بناءً على التحريض، أصبح الطرفان مسؤولين عن ذات الفعل، ويترتب عليهما ذات الجزاء المدني والكنسي. أما إذا لم يقع الزنا أصلًا، فإن الأمر لا يجاوز نطاق سوء السلوك، وكان الأولى بالمشرع أن يستخدم هذا التعبير بدلًا من إدخال أوصاف غير منضبطة قانونيًا.
أما فيما يتعلق بالشذوذ الجنسي والمعاشرة غير الطبيعية، فقد اشترط المشروع وقوع الفعل ذاته، وليس مجرد التحريض أو الشبهة. إلا أن هذا النص يثير تناقضًا قانونيًا ومنطقيًا بالغ الخطورة.
فكيف يمكن تصور وقوع “المعاشرة غير الطبيعية” بفعل منفرد من الزوجة أصلًا، بينما هذا الفعل — بطبيعته — يفترض مشاركة وقبولًا من الطرف الآخر؟
وإذا كان المشرع قد اشترط وقوع الفعل، فإن تحقق الفعل يعني بالضرورة وجود مساهمة من الطرفين، الأمر الذي يثير إشكالية “الخطأ المشترك”.
ومن المستقر قانونًا وفقهًا أن من اشترك في الخطأ لا يجوز له أن يتخذ من هذا الخطأ سببًا لطلب التطليق، وإلا أصبح الشخص مستفيدًا من فعله المخالف، وهو ما يتعارض مع قواعد العدالة والمنطق القانوني.
كما أن إثبات هذه الأفعال يكاد يكون مستحيلًا عمليًا، بل أشد تعقيدًا من إثبات الزنا ذاته، بما يجعل النصوص أقرب إلى الفوضى النظرية منها إلى القواعد القانونية القابلة للتطبيق الواقعي أمام القضاء.
إن هذا التوسع التشريعي جاء — بحسب ما يُطرح — استجابة لرغبة بعض الاتجاهات داخل الكنيسة الأرثوذكسية في التوسع في مفهوم الزنا.
وبالمثل توسعت بعض الكنائس في أسباب البطلان لتشمل الغش في الصفات غير الجوهرية، وهو أمر لا يتفق مع الإجماع الكنسي المستقر، ولا مع طبيعة قوانين الأحوال الشخصية التي يجب أن تقوم على الانضباط واليقين، لا على التوسع والمرونة المفرطة في أخطر مسائل الأسرة والمجتمع.

تعليقات
إرسال تعليق