بقلم:
د كامل عبد القوى النحاس
في كل مرة تتصاعد فيها أزمات الأسرة، يندفع المجتمع نحو الحديث عن تعديل القوانين، وكأن النصوص وحدها قادرة على إعادة الاستقرار إلى البيوت.
فنسمع مطالبات متكررة بإضافة مواد، أو حذف أخرى، أو تشديد العقوبات، أو توسيع الصلاحيات، ثم لا يلبث الجدل أن يعود من جديد بعد ظهور مشكلات وثغرات أخرى.
والسبب أن كثيرين يتعاملون مع أزمة الأسرة باعتبارها أزمة قانون فقط، بينما الحقيقة أعمق بكثير.
فالقانون قد ينظم العلاقة بين الزوجين، لكنه لا يستطيع أن يصنع زوجًا ناضجًا، ولا زوجة واعية، ولا بيتًا قائمًا على الرحمة والتفاهم.
إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس نقص القوانين، بل نقص التأهيل الإنساني للحياة الزوجية.
فنحن نعيش في مجتمع لا يسمح للإنسان بممارسة أبسط المهن دون دراسة وتدريب وتأهيل.
فالطبيب يدرس سنوات طويلة قبل أن يُؤتمن على علاج الناس، والمهندس يخضع للتدريب قبل أن يبني جدارًا، ورجل الجيش والشرطة يمران بمراحل إعداد قاسية قبل تحمل المسؤولية.
أما الزواج – وهو المؤسسة التي تُخرِّج الأجيال وتصنع استقرار المجتمع – فيدخله كثير من الناس بلا أي إعداد حقيقي.
شاب لا يعرف كيف يدير غضبه.
وفتاة لم تتعلم معنى الشراكة وتحمل المسؤولية.
وكلاهما يدخل الحياة الزوجية بأحلام مثالية صنعتها الدراما أو مواقع التواصل، ثم يصطدمان سريعًا بواقع الحياة ومتطلباتها.
وهكذا يتحول أول خلاف إلى أزمة، وأول أزمة إلى خصومة، ثم تبدأ رحلة المحاكم والاتهامات والانهيار.
إن بعض الأزواج لا يملكون الحد الأدنى من مهارات الحوار، ولا يعرفون كيف يختلفون باحترام، ولا كيف يحتوي أحدهم الآخر وقت الغضب أو الضيق.
بل إن كثيرًا من البيوت تنهار بسبب أمور كان يمكن تجاوزها لو وُجد قدر بسيط من النضج والثقافة الأسرية.
ومن هنا فإن الحل الحقيقي لا يكمن فقط في تعديل التشريعات، بل في بناء إنسان مؤهل للزواج أصلًا.
نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار للتثقيف الأسري باعتباره ضرورة مجتمعية، لا ترفًا فكريًّا.
بحاجة إلى تعليم يُدرِّس للأبناء معنى الأسرة، وأسس الحوار، وإدارة الخلاف، واحترام المسؤولية، بدل أن يتركهم يتعلمون أخطر قرارات حياتهم بالمصادفة والتجربة المؤلمة.
وبحاجة إلى إعلام يؤدي دورًا تربويًّا حقيقيًّا، بدل الاكتفاء بتقديم نماذج أسرية مشوهة قائمة على الصراع والخيانة والتفكك.
كما نحتاج إلى مراكز تأهيل جادة للمقبلين على الزواج، لا مجرد إجراءات شكلية للحصول على شهادة حضور.
يجب أن يتعلم الشاب والفتاة قبل الزواج: كيف تُدار الميزانية الأسرية،
وكيف تُحتوى المشكلات،
وكيف تُبنى الثقة،
وكيف يتم التعامل مع تدخلات الأهل،
وكيف تتحول العلاقة من مجرد عاطفة إلى مسؤولية يومية مستمرة.
إن الأسرة لا تُحمى فقط بالقاضي والمحكمة، بل تُحمى قبل ذلك بالوعي والضمير والتربية.
كما أن المجتمع كله شريك في هذه الأزمة: التعليم، والإعلام، والثقافة، والمؤسسات الدينية، وحتى المحتوى المنتشر عبر المنصات الرقمية.
فالبيت لا ينهار فجأة، وإنما ينهار بعد سنوات من الفراغ التربوي والثقافي وسوء الإعداد.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يشغلنا ليس: كيف نكتب قانونًا جديدًا فقط؟
بل: كيف نصنع جيلًا قادرًا على بناء أسرة مستقرة؟
لأن الإنسان الواعي يقلل الحاجة إلى النزاع أصلًا، ويجعل القانون مجرد وسيلة حماية أخيرة، لا أداة يومية لإدارة الحياة الزوجية.
إن الأسرة لن ينقذها القانون وحده،
بل ينقذها بناء الإنسان القادر على الرحمة، والحوار، والصبر، وتحمل المسؤولية.
فإذا صلح الإنسان، استقرت البيوت،
وإذا غاب الوعي، فلن تكفي آلاف المواد القانونية لمنع الانهيار.

تعليقات
إرسال تعليق