تحليل: محمد الشحات سلامة (محرر إعلامي وصحفي)
في توقيت بالغ الحساسية من عمر الأزمات الإقليمية، أطل علينا المفكر والخبير العسكري والاستراتيجي الكبير، اللواء دكتور سمير فرج، عبر شاشة "الحدث اليوم" في مداخلة هاتفية مكثفة مع الإعلامي سيد علي. المداخلة التي جاءت لتفكيك طلاسم الصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، حملت في طياتها حزمة من الرسائل التحليلية الصادمة والقراءة الاستشرافية لمستقبل الملاحة في واحدة من أهم الممرات المائية في العالم: مضيق هرمز.
نستعرض في هذا التحليل قراءة صحفية شاملة لأبرز ما جاء في هذه المداخلة من محاور، وسيناريوهات، وأبعاد استراتيجية.
أولاً: تدويل الأزمة وتحييد أوراق الضغط (الموقف الصيني نموذجاً)
استهل اللواء سمير فرج تحليله بالإشارة إلى الذكاء الإيراني في إدارة المعركة الحالية؛ حيث نجحت طهران في تحويل دفة الصراع من "حرب مباشرة على إيران" إلى "قصة مضيق هرمز"، ممسكةً بملف الملاحة الدولية كأداة ضغط أساسية.
وفي هذا السياق، كشف الخبير الاستراتيجي عن كواليس التحركات الأمريكية نحو بكين، حيث سعى الرئيس الأمريكي (ترامب) إلى الاستعانة بالصين للضغط على إيران لفتح المضيق. إلا أن الدبلوماسية الصينية أظهرت ذكاءً حذراً؛ حيث عادت واشنطن بمكاسب عامة وليست إجرائية، تلخصت في نقطتين:
تأكيد الصين على ضرورة فتح مضيق هرمز للملاحة العالمية كأصل عام.
الرفض الصيني القاطع لامتلاك إيران لأي قنبلة أو سلاح نووي.
ثانياً: كواليس "الضربة المؤجلة" وسر التراجع الأمريكي
فجّر اللواء سمير فرج مفاجأة عسكرية حول كواليس الساعات الأخيرة، موضحاً أن المخطط العسكري الأمريكي كان يقضي بتوجيه ضربة عسكرية مباشرة لإيران، وذلك بعد اجتماع الرئيس الأمريكي برئاسة الأركان ومحادثته المطولة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
أما عن سر التراجع المؤقت وإرجاء الضربة، فقد أرجعه اللواء فرج إلى رغبة الإدارة الأمريكية في استخدام "مطالبات ونصائح القادة العرب" كحجة دبلوماسية وخط رجعة لتهدئة الأوضاع مؤقتاً، وإفساح المجال للرسائل السياسية المتبادلة عبر الوساطات الإقليمية، مثل الزيارة التي قام بها وزير الداخلية الباكستاني إلى طهران في نفس اليوم.
ثالثاً: "الإنترنت العالمي" خط أحمر جديد في صراع الإرادات
لم يخفِ المفكر الاستراتيجي نبرة التشاؤم التي انتابته لأول مرة منذ بدء القتال الذي دخل يومه الـ 71. ويرى اللواء فرج أن الأمور وصلت إلى تعقيد غير مسبوق بسبب مغالاة الطرفين ووصولهما إلى "حافة الهاوية".
ولعل المؤشر الأخطر الذي توقف عنده التحليل، هو دخول "الحرب النفسية والسيبرانية" طوراً جديداً؛ حيث لم يعد التهديد الإيراني مقتصراً على احتجاز السفن أو فرض رسوم مرور، بل امتد لإعلان الحرس الثوري عن إمكانية فرض قيود على كوابل الإنترنت العالمية التي تمر عبر المنطقة، وهو ما يعني نقل المعركة من طابعها الإقليمي الاقتصادي إلى تهديد مباشر للأمن الرقمي والاتصالات حول العالم كله.
رابعاً: الاستشراف الاستراتيجي.. 3 سيناريوهات مفتوحة للمستقبل
وضع اللواء دكتور سمير فرج المشهد الحالي أمام ثلاثة مسارات متوقعة، تدرسها مراكز صنع القرار في واشنطن وطهران بدقة متناهية:
السيناريو الأول: استمرار الحصار البحري الخانق (الجمود الراهن)
ويقوم هذا المسار على إبقاء الوضع الحالي كما هو، مع تشديد أمريكا لحصارها البحري الذي يكبّد طهران خسائر فادحة (فقدان 500 مليون دولار يومياً، وتوقف تصدير 1.5 مليون برميل نفط، مع ما يترتب عليه من بطالة وتضخم وضغط الشارع الداخلي). وتأتي بالتوازي معه محاولات واشنطن لتطبيق فكرة "الحرية" لإخراج نحو 1000 سفينة محتجزة داخل الخليج.
السيناريو الثاني: الحرب بالوكالة (الضغط عبر تل أبيب)
نظراً لعدم قدرة الإدارة الأمريكية على تحمل عامل الوقت والضغوط الاقتصادية الداخلية، قد تلجأ واشنطن إلى دفع إسرائيل لتوجيه الضربة العسكرية الأولى لإيران. وفي حال أقدمت إيران على الرد واستهداف المصالح الإسرائيلية أو الأمريكية، تجد أمريكا نفسها في حالة "دفاع شرعي عن النفس" يحظى بتأييد الكونجرس والشارع الأمريكي دون قيود.
السيناريو الثالث: الضربة الأمريكية المباشرة والدراماتيكية
أن تضيق واشنطن ذرعاً بالاستنزاف الاقتصادي والتضخم العالمي الذي يلوم العالم فيه الولايات المتحدة بسبب إغلاق المضيق، فتقرر توجيه ضربة عسكرية ساحقة ومباشرة للعمق الإيراني، وهو سيناريو تحسب عواقبه وتبعاته بدقة شديدة نظراً لخطورة ردود الفعل غير المحسوبة.
رؤية ختامية: المرونة مقابل الهاوية
اختتم اللواء دكتور سمير فرج قراءته بالتأكيد على أن المخرج الوحيد للأزمة الراهنة يكمن في إبداء طهران لنوع من "المرونة السياسية" وليس التنازل، من خلال القبول ببنود تضمن إيقاف تخصيب اليورانيوم لمدد زمنية محددة كما حدث في عهود سابقة.
إن هذا التحليل الاستراتيجي الرفيع يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة واحدة: إما تغليب صوت العقل والمرونة الدبلوماسية، أو الانزلاق نحو مواجهة شاملة لن يسلم من شررها الاستقرار الاقتصادي أو السياسي العالمي.

تعليقات
إرسال تعليق