بقلم الكاتب والصحفي الإعلامي/ محمد الشحات سلامة
تخوض الساحة الرياضية الكروية في مصر واحدة من أعقد حلقاتها القانونية والإعلامية، تزامناً مع صدور المراسلات السنوية الدورية للاتحاد الإفريقي لكرة القدم (كاف) الموجهة للاتحادات الأهلية بشأن ضوابط تحديد الأندية المشاركة قاريّاً. تلك الأزمة التي تشابكت خيوطها بين حسابات "ترتيب الدور الأول" للدوري العام من جهة، ومعايير "نظام تراخيص الأندية" الصارمة (Club Licensing) من جهة أخرى، استدعت وقفة تحليلية مجردة تفكك طلاسم المشهد اللوائحي بعيداً عن صخب منصات التواصل الاجتماعي.
خلفية الأزمة: صراع التوقيت ومقصلة "الدور الأول"
تنبع الجدلية القائمة من واقع الموسم الاستثنائي للدوري المصري الممتاز، والذي لُعب بنظام المرحلة الأولى المشتركة قبل التقسيم. وبما أن المسابقات المحلية لن تنتهي رسمياً قبل الموعد النهائي المحدد من قِبل الـ "كاف" لإرسال قوائم الأندية المؤهلة في الـ 30 من يونيو، فإن القواعد المحلية تُلزم الاتحاد المصري بالعودة إلى نتائج ترتيب ختام الدور الأول لضمان تكافؤ الفرص رقمياً بين كافة الفرق بعد تساوي عدد المباريات المخوضة.
القراءة السطحية لهذا الترتيب وضعت نادي الزمالك ونادي بيراميدز في صدارة الجدول بـ (43 نقطة) يليهما النادي الأهلي بـ (40 نقطة)، وهو ما دفع بعض المنابر الإعلامية إلى استنتاج متعجل بأن بطاقتي دوري أبطال إفريقيا ستذهب قانوناً للزمالك وبيراميدز، بينما يهبط الأهلي للكونفدرالية. غير أن هذا التحليل اللوائحي يغفل تماماً حجر الزاوية الحقيقي في منظومة الاتحاد الإفريقي: "رخصة الأندية المحترفة".
قاعدة ذهبية: الجدارة الرياضية داخل المستطيل الأخضر لم تعد المعيار الوحيد للعب في القارة السمراء، بل أصبحت الجدارة المالية والإدارية الموثقة برخصة "الكاف" هي صمام الأمان والعبور الإجباري نحو منصات التتويج.
مقصلة المعايير المالية: لماذا يهدد ملف "الديون" طموح الفارس الأبيض؟
المفاجأة القانونية الدامغة التي غيرت مجرى النقاش تكمن في شروط المادة الكاشفة لـ "رخصة الأندية" الصادرة عن الـ "كاف"، والتي تمنع صراحةً منح رخصة المشاركة القارية لأي نادٍ صدرت بحقه أحكام مالية نهائية وباتة لصالح لاعبين أو مدربين أو أندية (قضايا نزاع قيد) حتى تاريخ الحسم الإداري. وبناءً على الخطاب الرسمي الصادر عن لجنة التراخيص بالاتحاد المصري لكرة القدم، تم إلزام نادي الزمالك بتسوية مديونياته الضخمة العالقة لدى الفيفا ومحكمة "كاس" وتوفير المخالصات الرسمية قبل تاريخ 31 مايو كحد أقصى.
تتمثل المعضلة الكبرى للقلعة البيضاء في حجم المديونيات والأحكام الصادرة في قضايا شهيرة (مثل قضايا خالد بوطيب، وجايمي باتشيكو، ومساعدي فيريرا)، حيث يواجه النادي عقوبة إيقاف القيد محلياً ودولياً مالم يقم بسداد أو تسوية هذه المبالغ بالكامل بشكل ودّي أو قانوني معتمد. إن عدم القدرة على إغلاق هذا الملف المالي قبل انتهاء المهلة الممنوحة، يعوق قانوناً حصول النادي على الرخصة الإفريقية المطلوبة لمستوى دوري الأبطال.
خريطة التمثيل المصري المتوقعة وفقاً للمؤشرات القانونية المعقدة:
- دوري أبطال إفريقيا: النادي الأهلي (بصفته حاملاً للقب ومستوفياً للرخصة) ونادي بيراميدز (المستوفي مالياً وإدارياً).
- كأس الكونفدرالية الإفريقية: نادي الزمالك (حال نجاحه في الحصول على مهلة استثنائية أو تسوية مجدولة لديونه لكونه حاملاً للقب الكونفدرالية)، برفقته المقعد الرابع المتأهل محلياً.
الحلول القانونية والتحركات الأخيرة للزمالك
أمام هذا المأزق اللوائحي، تشير آخر التحركات الرسمية إلى أن مجلس إدارة نادي الزمالك تقدم بطلب عاجل من خلال الاتحاد المصري لمخاطبة الـ "كاف" بغرض منحه مهلة إضافية ممتدة لما بعد شهر مايو لتسوية القضايا الـ 18 العالقة في الفيفا والتي تجاوزت قيمتها ملايين الدولارات. وتأمل الإدارة البيضاء في التوصل لجدولة ودية مع الدائنين لإنقاذ موقف الرخص الإفريقية، مستندة إلى سوابق تاريخية منح فيها الاتحاد الإفريقي استثناءات مشابهة لبعض الأندية الكبرى كفريق الوداد المغربي في مواسم سابقة.
الخلاصة اللوائحية
إن إثارة البلبلة حول مصير المقاعد الإفريقية والزج باسم النادي الأهلي دون قراءة متعمقة للوائح يُعد تسطيحاً للمشهد الرياضي. الأهلي يحظى بحماية "حامل اللقب القاري" المباشر واستقرار مالي كامل يضمن رخصته، وبيراميدز يسير بخطى إدارية مستقرة. بينما تبقى الكرة الآن في ملعب إدارة الزمالك لسباق الزمن وسداد الديون الشائكة؛ فالمشكلة لم تكن يوماً في خطاب الكاف الدوري، بل في الدفاتر المالية التي تتطلب تصفية شاملة لانتزاع صك المشاركة الشرعي في أدغال إفريقيا.

تعليقات
إرسال تعليق