بقلم: لواء دكتور/ سمير فرج
بينما كان العالم يظن أن الحروب السيبرانية والذكاء الاصطناعي هما سادة مشهد الصراع في القرن الحادي والعشرين، أعادت أحداث "مايو 2026" الجميع إلى المربع الأول. عادت الجغرافيا لتنتقم، وأثبتت البحار أنها لا تزال "العصب" الذي إذا قُطع، شُلّت أطراف الإمبراطوريات. إن ما يحدث اليوم في مضيق هرمز ليس مجرد صدام عسكري عابر، بل هو إحياء حي لنظرية الضابط البحري والمفكر الأمريكي "ألفريد ماهان" التي صاغها في كتابه الشهير: "من يملك البحار.. يسيطر على العالم".
هرمز.. حين يختنق العالم
الأرقام الواردة من قلب الأزمة الحالية مرعبة؛ فإغلاق مضيق هرمز لم يعد مجرد مناورة سياسية، بل أصبح "سكتة قلبية" للاقتصاد العالمي، حيث تعطل تدفق 20% من إمدادات الطاقة الدولية. نحن أمام مشهد مهيب؛ 1500 سفينة عالقة، تحمل على متنها 20 ألف بحار، تحولوا جميعاً إلى رهائن للجغرافيا والسياسة الدولية.
لقد كشفت الأزمة عن "الجانب المظلم" للقوة البحرية؛ فزراعة الألغام التي قامت بها إيران حولت الممر إلى حقل للموت الصامت. إن حاجة العالم إلى 15 كاسحة ألغام وفترة زمنية قد تصل إلى 6 أشهر لتطهير الممر، استدعت تدخل أساطيل حلف الناتو، مما يعيد تعريف مفهوم "الأمن الجماعي" في مواجهة تهديدات الممرات المائية الضيقة.
دومينو المضايق: من ملقا إلى السويس
لم تتوقف الهزة الارتدادية عند حدود الخليج العربي، بل امتدت كأثر "الدومينو" لتضع كافة الممرات المائية تحت المجهر الاستراتيجي:
مضيق ملقا: الرئة التي تتنفس منها الصين، حيث يعبره 40% من التجارة العالمية. أي اهتزاز فيه يعني انهيار سلاسل التوريد العالمية.
قناة السويس وقناة بنما: وهنا يبرز الفارق الجوهري الذي طالما أكدنا عليه؛ فهذه "قنوات سيادية" تقع داخل أراضي دولها، وليست مجرد مضايق دولية. وقد أثبتت قناة السويس (بمشروع ازدواجها الحديث) أنها صمام الأمان الحقيقي للتجارة العالمية، بتوفيرها 15 يوماً من الإبحار، مما يجعلها الشريان الأكثر حيوية وتنافسية في وقت الأزمات.
نحو نظام عالمي جديد لإدارة البحار
إن التوترات الحالية تفرض على مراكز الدراسات الاستراتيجية العالمية، من "كامبرلي" البريطانية إلى كلية الحرب البحرية الأمريكية، إعادة صياغة قواعد الملاحة. نحن نقترب من مرحلة قد تشهد "تدويل إدارة الأزمات الملاحية"، حيث سيسعى الجميع لوضع نظم تأمين وإنقاذ موحدة، تمنع تحول المضايق إلى أوراق ضغط سياسي أو أدوات لفرض رسوم إضافية تنهك الاقتصاد العالمي المثقل بالأزمات.
خاتمة: الجغرافيا لا تموت
بين فلسفة "كلاوزفيتز" البرية وواقعية "ماهان" البحرية، يجد العالم نفسه مرغماً على الاعتراف بأن القوة الحقيقية ليست في امتلاك الرؤوس النووية فحسب، بل في القدرة على تأمين "عنق زجاجة" مائي قد لا يتجاوز عرضه بضعة كيلومترات.
لقد انتهى زمن الرفاهية الملاحية، وبدأ عصر "دبلوماسية المضايق". فهل تنجح القوى الكبرى في وضع أطر جديدة لحماية الممرات، أم أننا سنرى "ماهان" يبتسم من قبره وهو يشاهد القوى العظمى تتصارع على قطرة نفط عالقة خلف لغم بحري؟
إن الحقيقة تظل ثابتة كما ذكرنا دوماً: البحر هو الحاكم، ومن يمسك بمفاتيح أمواجه.. يمسك بمصائر الأمم.

تعليقات
إرسال تعليق