القائمة الرئيسية

الصفحات

قصه 200 عام: قصر العيني قوه مصر الناعمه ومحرك النهضه الطبيه في العالم

 


كتب : احمد سلامة


قليل من الأسماء لا تُذكر بوصفها أشخاصًا، بل بوصفها لحظة فاصلة في تاريخ أمة. ومن بين هذه الأسماء يبرز اسم أنطوان برثيليمي كلوت، الرجل الذي لم يأتِ إلى مصر طبيبًا فحسب، بل جاء ليغيّر مسار الطب فيها بالكامل، وليكون اسمه مرتبطًا إلى الأبد ببداية نهضة طبية ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم داخل القصر العيني، ذلك الصرح الذي لم يكن مجرد مدرسة للطب، بل كان نقطة التحول التي انتقل عندها الطب في مصر من الممارسة البدائية إلى العلم الحديث.


وُلد أنطوان برثيليمي كلوت عام 1793 في مدينة جرينوبل بفرنسا داخل أسرة فقيرة لم تستطع أن تمنحه سوى التعليم الأولي، لكنه امتلك منذ صغره شغفًا غير عادي بالطب، وقد بدأت رحلته مع الجراحة عندما عاش فترة مع جراح كان يعالج والده قبل وفاته عام 1811، وهناك بدأ يقرأ الكتب الطبية ويجرب بعض العمليات الصغيرة بنفسه، ثم التحق بالتعليم الطبي في فرنسا وتدرج في المستشفيات، فعمل لمدة عامين لدى أحد الجراحين يدعي" سابيه" في مستشفى مارسيليا، ثم أصبح كبير الطلاب الداخليين، وبعد ذلك أصبح ضابط صحة، وحصل عام 1819 علي رئاسة الأعمال التشريحية، ثم حصل عام 1820 على درجة الدكتوراه في الطب من مدرسة مونبلييه للطب، وعُيّن في العام نفسه جراحًا داخليًا ثانيًا، ثم حصل عام 1823 على درجة الدكتوراه في الجراحة، وعمل في فرنسا طبيبًا استشاريًا في مستشفى الرحمة، وجراحًا مساعدًا في مستشفى الخيرية، كما عُيّن جراحًا شرفيًا في المستشفى المدني بمرسيليا، وكان اسمه قد بدأ يلمع في الوسط الطبي الفرنسي عندما وقع التحول الأكبر في حياته عام 1824 حين استدعاه والي مصر محمد علي باشا ليعمل طبيبًا وجراحًا أول في خدمة الدولة المصرية، فانتقل إلى مصر وبدأ صعوده السريع، إذ أصبح عام 1825 رئيسًا لأطباء جيوش محمد علي، ثم أصبح عام 1826 عضوًا في مجلس الصحة، وتولى ما بين عامي 1827 و1831 إدارة مدرسة الطب في أبو زعبل، وهو المنصب الذي وضع اسمه في مقدمة الأطباء في مصر، خاصة بعد دوره في مواجهة الأوبئة التي اجتاحت البلاد، وعلى رأسها الطاعون، حيث عمل بنفسه في علاج المرضى وتنظيم العزل الطبي والتطعيم، وهو ما جعله يحظى بتقدير كبير من محمد علي باشا الذي منحه عام 1831 لقب بك، ثم رُقي بعد ذلك إلى رتبة ميرلواء، وأصبح مفتشًا عامًا للخدمات الصحية في مصر، ولم يعد مجرد طبيب أجنبي بل أصبح واحدًا من كبار رجال الدولة، وفي عام 1837، وهو العام الذي انتقلت فيه مدرسة الطب إلى القاهرة، ارتفعت مكانته العلمية والسياسية بصورة أكبر، إذ أصبح عضوًا في عدد كبير من الجمعيات العلمية والطبية في أوروبا، في باريس وليون ونابولي ومدريد ولايبزيغ وبرشلونة وسانت بطرسبرغ وفيلادلفيا، كما أصبح عضوًا في جمعيات الجغرافيا والآثار والجمعيات العلمية الكبرى، وحصل خلال هذه السنوات على عدد كبير من الأوسمة الدولية التي لم يحصل عليها طبيب خدم خارج بلاده من قبل، فقد نال وسام جوقة الشرف الفرنسي بدرجاته المختلفة، كما حصل على وسام القديس غريغوريوس الكبير من الفاتيكان، ووسام القبر المقدس، ووسام إيزابيل الكاثوليكية من إسبانيا، ووسام النسر الأحمر من بروسيا، ووسام فرنسيس الأول من نابولي، ووسام ستانيسلاس من بولندا، ووسام الافتخار من تونس، ونيشان الافتخار العثماني، بل إنه حصل كذلك على لقب كونت بمرسوم إمبراطوري تقديرًا لمكانته العلمية والطبية، ولم يكن كلوت بك طبيبًا وإداريًا فقط، بل كان أيضًا واحدًا من أوائل المؤلفين في الطب الحديث في مصر، فقد ترك عددًا كبيرًا من المؤلفات الطبية التي ساهمت في نشر العلم في المنطقة، من أهمها رسالة في الطاعون، وكتاب منع الجرب والداء الأفرنجي، ومبادئ الجراحة، وعلم الجراح، ومبادئ الفلسفة الطبية، ونبذة في تطعيم الجدري، وكتاب العلاجات الطبية، وأحكام الجراحة، وكنوز الصحة، كما ألّف كتبًا في أمراض الأطفال والتشريح المرضي، وكان كتابه الشهير في علم التشريح هو أول كتاب يُطبع في مطبعة أبي زعبل، وقد تعرضت مسيرته لانتكاسة كبيرة عندما تولى عباس باشا الحكم، حيث أُغلقت المدارس الطبية واضطر إلى العودة إلى فرنسا، وظل الوضع كذلك حتى تولى سعيد باشا الحكم فاستدعاه من جديد إلى مصر، فعاد مرة أخرى ليعيد تنظيم المدرسة الطبية ويستكمل المشروع الذي بدأه، وبقي يعمل بإخلاص حتى عام 1861 حين اضطر إلى مغادرة مصر للمرة الأخيرة بسبب تدهور حالته الصحية، وعاد إلى مرسيليا حيث توفي عام 1868، بعد أن تحول من شاب فقير لم يملك سوى الطموح إلى واحد من أعظم الأطباء الذين ساهموا في بناء الطب الحديث في مصر، ولهذا لم يعد اسم كلوت بك مجرد اسم في كتب التاريخ، بل أصبح جزءًا من ذاكرة مصر نفسها، وجزءًا من قصة القصر العيني التي تمتد اليوم إلى مائتي عام من الشموخ.

تعليقات