بقلم / أحمد عبدالهادي السويسي
في عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والسياسية لم تعد العلاقات الدولية تقاس فقط بحجم التبادل التجاري أو عدد الاتفاقيات الموقعة بل بقدرة الدول على صناعة رؤية مشتركة للمستقبل وهو ما يبدو واضحا اليوم في العلاقة المتنامية بين مصر والصين خاصة مع التوافق اللافت بين الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين ورؤية مصر 2030 .
العنوان الأبرز في هذه المرحلة هو أن البلدين لا يتحركان في خطين متوازيين فقط بل يسيران نحو نقطة التقاء استراتيجية قد تعيد رسم خريطة التعاون الاقتصادي والتنموي في المنطقة بأكملها. فمع انتهاء الخطتين في توقيت واحد عام 2030 تبدو السنوات المقبلة وكأنها مرحلة تأسيس لشراكة أكبر من مجرد تعاون سياسي أو اقتصادي عابر.
الصين التي تواصل صعودها كقوة اقتصادية عالمية تراهن خلال خطتها الجديدة على التنمية عالية الجودة وتحسين جودة حياة المواطن بينما تمضي مصر بخطوات متسارعة نحو بناء دولة حديثة عبر مشروعات قومية ضخمة ورؤية تعتمد على التنمية المستدامة والإنسان اولا . وبين الرؤيتين تظهر مساحة هائلة للتكامل تجعل من معادلة «1+1 أكبر من 2» حقيقة واقعية وليست مجرد شعار دبلوماسي.
ولعل ما يحدث على الأرض يؤكد ذلك بوضوح فمشروعات التعاون بين البلدين لم تعد حبرا على ورق بل تحولت إلى كيانات عملاقة ومناطق صناعية واستثمارات حقيقية تخلق فرص عمل وتدفع عجلة الاقتصاد. ويبرز مشروع البرج الأيقوني بمدينة العلمين الجديدة كأحد أبرز النماذج التي تعكس حجم الطموح المشترك بعدما أصبح أيقونة عمرانية حديثة تؤكد قدرة الشراكة المصرية الصينية على تنفيذ مشروعات غير مسبوقة في إفريقيا.
وفي منطقة تيدا السويس تتجسد صورة أخرى لهذا التعاون بعدما تحولت المنطقة من أرض صحراوية إلى مركز صناعي متكامل يضم مئات الشركات باستثمارات ضخمة في رسالة واضحة بأن الصين لا تنظر إلى مصر كسوق فقط بل كشريك استراتيجي طويل الأمد وبوابة رئيسية للقارة الإفريقية.
اللافت ايضا أن التعاون بين البلدين لم يعد مقتصرا على الصناعة والبنية التحتية بل امتد إلى ملفات أكثر تأثيرا مثل الاقتصاد الأخضر والطاقة النظيفة. فمن مشروعات طاقة الرياح بخليج السويس إلى الطاقة الشمسية داخل المناطق الصناعية تبدو القاهرة وبكين وكأنهما تتحركان بخطوات متزامنة نحو مستقبل أكثر استدامة وأقل اعتمادا على مصادر الطاقة التقليدية.
وعلى الجانب الثقافي والإنساني تشهد العلاقات بين الشعبين حالة تقارب لافتة خاصة مع تزايد الاهتمام باللغة والثقافة الصينية داخل المدارس المصرية مقابل ارتفاع أعداد السائحين الصينيين الراغبين في اكتشاف الحضارة المصرية العريقة وهو ما يعكس أن الشراكة الحقيقية لا تبنى فقط بالاقتصاد والاستثمارات بل بالتقارب الإنساني والثقافي ايضا .
المشهد اليوم يؤكد أن ما يجمع مصر والصين لم يعد مجرد مصالح مؤقتة بل مشروع شراكة متكامل يقوم على التنمية والتكنولوجيا والاستثمار والثقافة والطاقة في وقت يبحث فيه العالم عن نماذج جديدة للتعاون الدولي القائم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
ومع انطلاق الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين تبدو القاهرة واحدة من أبرز العواصم المرشحة للاستفادة من هذا التحول الكبير خاصة في ظل رغبة البلدين في بناء مستقبل مشترك يواكب متغيرات العصر ويعزز مكانتهما داخل معادلة الاقتصاد العالمي الجديد .

تعليقات
إرسال تعليق