القائمة الرئيسية

الصفحات

بحيرة قارون وكرات النار ‏الفصل الثالث: "شفرة الموت



‏بقلم/محسن رجب جودة 

‏انطلقت المروحية من قلب الفيوم، مخلفةً وراءها غبار الحقول وقصص الفشل التي عاشها يحيى لسنوات. داخل المروحية، ساد صمت ثقيل، لم يقطعه سوى أزيز المحركات ونظرات العميد "خالد" المتفحصة ليحيى.

‏كان يحيى ممسكاً بحقيبة جلدية قديمة، متهالكة الأطراف، يضمها إلى صدره كأنها طفله الرضيع. سأله العميد خالد وهو يحاول كسر الجمود:

‏"كيف عرفت أنهم استخدموا اختراعك تحديداً؟ التقارير الدولية لا تزال تتحدث عن نيازك أو أسلحة سرية غير معروفة."

‏فتح يحيى حقيبته، وأخرج ورقة صفراء باهتة مرسوم عليها شكل هندسي لكرات تتداخل في مسارات لولبية، وقال بنبرة هادئة:

‏"هذه ليست نيازك يا فندم. النار الطبيعية لها دخان، ولها لون أحمر أو برتقالي حسب المادة المشتعلة. لكن هذه الكرات 'بلازما باردة' في غلافها الخارجي، وحمم مستعرة في لبها. هي لا تُصدر دخاناً لأنها تحرق جزيئات الهواء تماماً. أنا من صمم 'الشرارة الأولية' التي تجعل المادة تلتهم نفسها لتنمو.. سرقوها مني في الجامعة، لكنهم سرقوا 'الفعل' وتركوا لي 'رد الفعل'."

‏في مقر وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) - لانغلي

‏في قاعة الاجتماعات المحصنة، كانت صور الأقمار الصناعية تُعرض بوضوح مرعب. الكرة النارية في حيفا لم تعد وحيدة، فقد أفادت التقارير الاستخباراتية أن "النموذج الأولي" الذي سرقته إيران قد استُنسخ منه ثلاث قاذفات أخرى، وهناك أنباء عن ظهور كرة ثانية في منطقة حدودية متنازع عليها.

‏قالت مديرة العمليات بحدة:

‏"إيران تملك التكنولوجيا، لكنها لا تملك السيطرة. العميل الذي أطلق الكرة في حيفا قُتل بسبب الحرارة المنبعثة منها قبل أن يهرب. هذا السلاح 'انتحاري' إذا لم يُتحكم فيه عن بُعد. ابحثوا عن صاحب البحث الأصلي.. المعلومات تقول إنه مصري، كان عبقرياً في الفيزياء النووية والحرارية، واختفى بعد تخرجه."

‏رد أحد المحللين وهو يضع صورة "يحيى" القديمة بملابس التخرج على الشاشة:

‏"وجدناه.. إنه الآن تحت حماية المخابرات المصرية. العالم كله سيتقاتل للحصول عليه، ليس فقط لإيقاف الكرات، بل لامتلاك سر تصنيعها."

‏ذكريات "رامي" والسقوط

‏بينما كانت المروحية تقترب من القاهرة، عاد يحيى بذاكرته إلى ليلة الشتاء القارسة في سكن المغتربين. تذكر زميله "رامي"، ذلك الشاب الذي كان يدرس التجارة ولكنه كان يتقن لغة "السمسرة" في كل شيء.

‏كان رامي يراقب يحيى وهو يعمل لساعات الفجر الأولى على نماذج كرات البلي المعدنية.

‏"يا يحيى، أنت تضيع وقتك.. هذا العلم لن يطعمك خبزاً في بلدنا. بعني هذه التصاميم لشركة أجنبية وسنعيش ملوكاً."

‏كان رد يحيى دائماً هو الصمت أو الرفض القاطع: "هذا السلاح لو وقع في يد غير أمينة، سيحرق اليابس قبل الأخضر."

‏لكن في ليلة سفر يحيى لزيارة والدته المريضة، اختفت الحقيبة واختفى رامي. لم يترك رامي وراءه سوى فوضى في الغرفة، وجرح غائر في قلب يحيى جعله يكره العلم والجامعة وكل ما يمت بصلة للاختراعات، حتى انتهى به المطاف فلاحاً في الفيوم.

‏الهبوط في "عرين الأسد"

‏هبطت المروحية فوق مبنى سيادي محصن في القاهرة. كان في استقبالهم لجنة من كبار العلماء والخبراء العسكريين.

‏أحد العلماء، وهو دكتور كان قد رفض بحث يحيى سابقاً، تقدم منه بارتباك:

‏"يحيى.. نحن.. نحن نعتذر عما حدث في الماضي، لكننا الآن أمام كارثة عالمية."

‏نظر إليه يحيى بعينين يملؤهما الحزن والشموخ، ولم ينبس ببنت شفة. فتح حقيبته وأخرج منها "كرة بلي" صغيرة جداً، وضعها على الطاولة وقال:

‏"هذه البلية هي الحل وهي الداء. السارقون صنعوا القاذف بناءً على حسابات رامي المسروقة، لكنهم لم يعرفوا أنني وضعت 'معادلة وهمية' في الأوراق لحماية البحث. الكرات التي تتدحرج الآن في حيفا ستستمر في النمو حتى تنفجر في النهاية بقوة قنبلة هيدروجينية.. الحل ليس في مهاجمتها، الحل في 'إطعامها' ما يقتلها."

‏صمت الجميع بذهول، بينما كان يحيى يرسم على السبورة الإلكترونية خريطة لترددات صوتية، وهو يقول:

‏"جهزوا لي طائرة خاصة.. يجب أن أذهب إلى أقرب نقطة من الكرة. سأواجه ناري بنفسي."

‏في الفصل القادم: المواجهة الأولى بين الخالق وصنيعته.. يحيى يقف وجهاً لوجه أمام كرات النار، وصراع المخابرات الدولية لاختطافه يشتعل..... انتظرونا.

تعليقات