القائمة الرئيسية

الصفحات


‏بقلم/محسن رجب جودة 

‏في أزقة الإسكندرية القديمة، حيث تفوح رائحة الياسمين الممزوجة بملوحة البحر، كان الشيخ منصور يمشي بخطى وئيدة، يوزع السلام بوقاره المعهود ولحيته التي خط فيها الشيب وقار السنين. كان موظفاً بسيطاً، يقتات من حلال، ويظن أن جدران بيته هي الحصن المنيع الذي يحميه من صخب الدنيا وغدرها.

‏ولكن، خلف الأبواب المغلقة، كانت هناك خيوط تُنسج من نار.

‏في ليلة شاتية من عام 2015، رنّ جرس الهاتف. كانت "سعاد" تلهث: "منصور.. أنا في المستشفى، سألد الآن". انتفض قلبه، وبحث عن معطفه ليلحق بها، لكن صوتاً حاداً أوقفه عبر السماعة:

‏"لا تأتِ! المستشفى غالية والمصاريف باهظة.. سأخرج فور ولادتي من الباب الخلفي لنوفر المال. انتظرني في البيت."

‏عادت سعاد فجراً، تحمل بين ذراعيها طفلاً أسمياه "حمزة". لم يكن هناك أوراق، فقط رواية مبتورة عن "هروب من الرسوم". وبسبب سمته الصالحة وثقة الناس به، استطاع منصور تسجيله رسمياً، ظناً منه أن زوجته "مدبرة" تحمي ماله، ولم يدرِ أنها كانت تدفن قنبلة موقوتة في قلب بيته.

‏مرت أحد عشر عاماً. كبر حمزة، وصار قطعة من روح الشيخ. ألحقه بالأزهر، وحفّظه القرآن بصوته الرخيم. وحين سقط حمزة صريع مرضٍ عضال، لم يبكِ منصور، بل جاع ليطعمه، وباع أثاث بيته ليداويه، يسهر بجانبه يمسح جبينه بالماء والدموع، حتى رآه معافىً يركض أمامه. كان حمزة "قرة عينه" التي يرى فيها جزاء صبحه ومسائه.

‏في مساء مشحون، نشبت مشاجرة تافهة بين الزوجين. احتقن وجه سعاد، وفقدت السيطرة على لسانها، فصرخت بكلمات هزت أركان البيت:

‏"أنت مفكر نفسك أب؟ احمد ربنا إني هدخلك الجنة بسببي.. أنت ربيت عيل مش ابنك أصلاً!"

‏سكن كل شيء. توقفت عقارب الساعة. نظر إليها منصور بعينين زائغتين، حاولت هي التراجع، ضحكت بمرارة قائلة إنها "نرفزة"، لكن الشك كان قد تحول إلى وحش كاسر ينهش صدره.

‏في صباح اليوم التالي، وتحت ستار "فحص شامل"، اصطحب منصور أبناءه الثلاثة إلى المختبر. مرت أيام الانتظار كأنها دهور. وحين فتح الظرف، شعر بأن الأرض تميد به:

‏الابن الأول: مطابق.

‏الابنة الثانية: مطابقة.

‏حمزة: لا يوجد صلة بيولوجية.

‏واجه سعاد بالنتائج، فانهارت كبيت من ورق، واعترفت بالبشاعة: "ابننا مات في الدقيقة الأولى.. لم أحتمل الفكرة، لمحت امرأة في الغرفة المجاورة ولدت توأماً، استغلتُ غفلة الممرضات، خطفتُ أحدهم وخرجت من الباب الخلفي!"

‏بقلب ممزق وضمير لا يقبل التزييف، توجه الشيخ إلى قسم الشرطة. نبش الضباط في دفاتر 2015، ليجدوا جرحاً نازفاً في سجلات البلاغات: "اختفاء رضيع يُدعى فارس ممدوح".

‏جاء الأب الحقيقي. حين دخل الغرفة ووقع بصره على حمزة، تيبس مكانه، ثم انفجر في بكاء هستيري وهو يضم الصبي. لم يحتاجوا لتحليل؛ فحمزة كان نسخة كربونية من أبيه الغائب منذ عقد.

‏وقف الشيخ منصور أمام "حمزة/فارس". الصبي الذي علمه الصلاة، الذي مسح بيده الصغيرة تعبه. قبّل منصور رأسه للمرة الأخيرة، وقال بصوت مخنوق:

‏"يا بني.. لقد ربيتك على الحق، ولا يمكن أن أختم حياتي معك بباطل. اذهب لأهلك، وكن باراً بهم كما كنت باراً بي."

‏طلق منصور زوجته التي خانت الأمانة ولوثت طهر بيته، وخرج من المحكمة يمشي وحيداً، يجر خلفه ذكريات الماضي لكنه كان يمشي برأس مرفوع. فقد خسر "ابناً" بالدم، لكنه استعاد "نفسه" بالحق، مؤمناً بأن النسب أمانة، وأن التربية مهما سمت، لا تشفع لسرقة عمرٍ بأكمله.

تعليقات