كتبت: علياء الهواري
في واحدة من أبرز القضايا التي شغلت الرأي العام خلال الفترة الأخيرة، تواصل قضية “مستريح السيارات” المرتبطة برجل الأعمال أمير الهلالي فرض حضورها على الساحة القانونية والإعلامية، في ظل تطورات متلاحقة تعكس طبيعة ملف معقد تتداخل فيه الوقائع وتتشابك فيه الاتهامات، مع تباين واضح في النتائج القضائية بين الإدانة والبراءة.
وفي هذا السياق، مثّل الحكم الصادر ببراءة محمد محمد عبد العال محطة فارقة داخل مسار القضية، بعدما نظرت المحكمة الدعوى الخاصة به بشكل مستقل، وانتهت إلى انتفاء صلته بالوقائع محل الاتهام، لعدم وجود أي دليل معتبر يربطه بها.
وكشفت أوراق الدعوى أن إدراج اسم عبد العال ضمن المتهمين جاء نتيجة خلط في الوقائع وتشابك البلاغات، دون ثبوت أي دور فعلي له، وهو ما أكدته المحكمة في حيثيات حكمها، لترسخ بذلك مبدأ قانونيًا أصيلًا مفاده أن المسؤولية الجنائية شخصية، ولا تقوم إلا على أدلة يقينية.
وأعاد الحكم الاعتبار الكامل لمحمد محمد عبد العال، مؤكدًا سلامة موقفه القانوني، وأنه لم يكن طرفًا في الوقائع محل الاتهام، كما لم يثبت في حقه أي تورط، وهو ما يعكس دقة الفحص القضائي لكل حالة على حدة داخل القضايا المركبة.
وفي هذا الإطار، لعبت هيئة الدفاع دورًا محوريًا في إظهار الحقيقة، حيث تولى المحامي محمد أمين المسلمي، مؤسس المؤسسة العربية للمحاماة، مهمة الدفاع، مقدمًا مرافعة قانونية دقيقة أعادت ترتيب أوراق الدعوى، وكشفت أوجه القصور في أدلة الاتهام.
وركز الدفاع على إثبات انعدام الصلة بين موكله والوقائع، مؤكدًا أن إدراج اسمه جاء دون سند قانوني صحيح، في ظل تعدد البلاغات وتشابكها، وهو ما اقتنعت به المحكمة، لتنتهي إلى القضاء بالبراءة.
ويعكس هذا الحكم أهمية الدور الذي يقوم به الدفاع في القضايا المعقدة، حيث يتطلب الأمر جهدًا قانونيًا متخصصًا لتفكيك الوقائع المتشابكة، وإبراز الحقيقة بعيدًا عن أي تعميم أو خلط بين المراكز القانونية المختلفة.
كما يُعد هذا التطور تأكيدًا على أن العدالة الجنائية تقوم على فحص كل واقعة على حدة، وأن اختلاف الأحكام داخل القضية الواحدة لا يمثل تناقضًا، بل تطبيقًا دقيقًا لمبدأ شخصية المسؤولية الجنائية.
وفي المقابل، لا تزال التحقيقات مستمرة بشأن باقي الوقائع المرتبطة بالقضية، وسط متابعة من المتضررين، في انتظار ما ستسفر عنه الإجراءات القانونية خلال الفترة المقبلة.
وتعيد هذه القضية تسليط الضوء على ظاهرة “المستريحين”، التي تقوم على جمع الأموال خارج الأطر القانونية المنظمة، بما يستدعي تعزيز الوعي المجتمعي وتشديد الرقابة على مثل هذه الأنشطة.
وفي النهاية، تظل القضية نموذجًا واضحًا لتشابك المسارات القانونية، لكنها في الوقت ذاته تؤكد أن قوة الدفاع القائم على الحجة والدليل قادرة على إظهار الحقيقة، وأن البراءة تظل عنوانًا أصيلًا للعدالة متى غابت الأدلة.

تعليقات
إرسال تعليق