القائمة الرئيسية

الصفحات

ازدواجية المسؤولية التأديبية والجنائية هل يقيد الحكم الجنائي القاضي التأديبي


بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي 


تثير إشكالية ازدواجية المسؤولية التأديبية والجنائية إشكالاً قانونياً عميقاً يتعلق بمدى إلزامية الحكم الجنائي للقاضي التأديبي، ذلك أن الموظف العام قد يتعرض للمساءلة أمام جهتين مختلفتين جهة قضائية جنائية تبحث عن توافر أركان الجريمة بنية عقابية، وجهة تأديبية تبحث عن إخلاله بواجباته الوظيفية بقصد حماية المرفق العام، والمبدأ العام المستقر في الفقه والقضاء أن الحكم الجنائي البات يكتسب حجية مطلقة أمام القاضي التأديبي فيما يتعلق بثبوت الوقائع التي فصل فيها، لكن هذه الحجية لا تمتد إلى النتائج القانونية لتلك الوقائع، كما لا تمتد إلى تقدير الملاءمة في توقيع الجزاء، وتطبيقاً لذلك، إذا حكمت المحكمة الجنائية ببراءة الموظف لتخلف القصد الجنائي أو لعدم كفاية الأدلة، فإن هذا الحكم لا يمنع القاضي التأديبي من معاقبته تأديبياً إذا ثبت لديه أن الفعل يشكل إهمالاً جسيماً أو إخلالاً بواجبات الوظيفة، لأن معيار الخطأ التأديبي أوسع وأقل صرامة من معيار الخطأ الجنائي، فالخطأ الجنائي يتطلب توافر الركن المعنوي المتمثل في القصد الإجرامي أو الخطأ غير العمدي الجسيم، بينما الخطأ التأديبي قد يقوم على مجرد مخالفة تعليمات إدارية أو إخلال بالانضباط ولو كان الموظف حسن النية.                                                                              


أما إذا صدر حكم جنائي بات بالإدانة، فإنه يقيد القاضي التأديبي من ناحيتين: أولاً، فيما يتعلق بالوقائع المادية الثابتة بالحكم، فلا يجوز للقاضي التأديبي أن يثبت وقوع واقعة خلاف ما فصلت فيه المحكمة الجنائية، كأن تقضي المحكمة الجنائية بأن الموظف اختلس أموالاً عامة في تاريخ معين وبمبلغ محدد، فلا يستطيع القاضي التأديبي أن ينكر هذه الواقعة أو يثبت مبلغاً أقل أو تاريخاً آخر، وثانياً، فيما يتعلق بتوافر أركان الفعل المجرم، فلا يجوز للقاضي التأديبي أن يعتبر أن الفعل الذي قضت المحكمة الجنائية بأنه غير مؤثم جنائياً هو فعل مؤثم تأديبياً إذا كان كلا المجالين يشترط نفس الركن، لكن الصعوبة تبرز في الحالة التي يكون فيها الفعل الواحد يشكل في آن واحد جريمة جنائية ومخالفة تأديبية، وهنا يسأل الفقه هل للقاضي التأديبي أن يوقع جزاءً أشد من العقوبة الجنائية؟ الإجابة تميل إلى نعم، لأن الهدف مختلف، فالجزاء التأديبي يهدف إلى تأديب الموظف وحماية سير العمل، بينما العقوبة الجنائية تهدف إلى الردع العام والخاص، وقد يرى القاضي التأديبي أن العزل من الخدمة ضروري للحفاظ على ثقة الجمهور في المرفق العام حتى لو كانت العقوبة الجنائية التي وقعها القاضي الجنائي هي مجرد غرامة مالية، وهذه الاستقلالية تبررها المصلحة العامة التي تعلو في بعض الأحكام على اعتبارات عدم ازدواج العقاب.                                                                      


غير أن الإشكال الأكبر ينشأ في حالة تناقض الحكمين الجنائي والتأديبي، فإذا قضت المحكمة الجنائية بأن الموظف لم يرتكب الفعل أصلاً لانتفاء الأدلة أو لثبت حصوله تحت إكراه مادي، ثم قضى القاضي التأديبي بثبوت الفعل بناء على قرائن إدارية، فإن التناقض هنا يخلق حالة من عدم اليقين القانوني، والفقهاء في هذا الصدد فريقان فريق يرى أن الحكم الجنائي يعلو على الحكم التأديبي لأنه يصدر بضمانات أوسع ودرجة إثبات أعلى، وفريق آخر يرى أن لكل قاضي سلطته المستقلة في تقدير الأدلة، ولا حجية لأحدهما على الآخر إلا في حدود الوقائع الثابتة التي تفصل فيها المحكمة الجنائية بشكل صريح ونهائي، أما الأدلة والقرائن فتبقى خاضعة لتقدير كل قاضٍ على حدة، ورجحان الرأي الثاني هو الأقرب إلى التطبيق العملي، لأن الحكم الجنائي بالبراءة لعدم كفاية الأدلة لا يعني أن الفعل لم يقع، بل يعني أن الإثبات لم يبلغ درجة اليقين المطلوبة جنائياً، وهذه الدرجة ليست مطلوبة في الدعوى التأديبية التي تكتفي بغلبة الظن والقرائن القوية، ولذلك يقيد الحكم الجنائي القاضي التأديبي في حالة الإدانة فقط وفي حدود الوقائع لا غير، أما في حالة البراءة فلا يقيد إلا إذا كانت البراءة مبنية على انتفاء الفعل أصلاً وليس على مجرد عدم كفاية الأدلة، وهذا التفريق الدقيق هو ما استقرت عليه أحكام المحكمة الإدارية العليا في مصر والمجالس التأديبية في فرنسا، ويبقى العبرة في النهاية بحقيقة أن القاضي التأديبي وإن كان مقيداً بالحقيقة الجنائية، إلا أنه يظل صاحب السلطة التقديرية في تكييف هذه الحقيقة قانونياً وملاءمة الجزاء مع طبيعة الإخلال الوظيفي

تعليقات