كتب : حسام النوام
لحظة فاصلة في مسار الاقتصاد المصري
في ظل عالمٍ يعاد تشكيله على وقع الأزمات الجيوسياسية واضطراب سلاسل الإمداد، لم يعد السؤال: كيف نواجه الأزمة؟
بل أصبح: كيف نحولها إلى فرصة؟
هنا تبرز تصريحات المهندس إيهاب محمود، رئيس لجنة النقل واللوجستيات بحزب الجيل الديمقراطي، التي جاءت عبر لقاءاته التلفزيونية، وكذلك من خلال طرحه في عدد من المنصات الإعلامية والصحف القومية، كواحدة من أكثر الرؤى وضوحًا وجرأة في قراءة المشهد الاقتصادي الراهن.
فالرجل لا يتحدث عن إدارة أزمة… بل عن إعادة تموضع دولة.
أولًا: من “النجاة” إلى “الهيمنة الاقتصادية”
في خطاب يتجاوز النمط التقليدي، يطرح إيهاب محمود تحولًا جذريًا في فلسفة إدارة الاقتصاد، مؤكدًا أن مصر لم تعد تملك رفاهية الانتظار.
فالأزمات، كما يراها، ليست مجرد ضغوط ظرفية، بل لحظات نادرة لإعادة توزيع موازين القوة الاقتصادية. ومن هنا جاءت دعوته لاعتماد منهج “السيناريوهات المتعددة” (Plan A, B, C)، بما يضمن جاهزية الدولة للتحرك في أي اتجاه وفقًا لتطورات المشهد.
هذا الطرح يعكس انتقالًا مهمًا من عقلية “تقليل الخسائر” إلى عقلية “تعظيم المكاسب”.
ثانيًا: إعادة رسم خريطة الصادرات المصرية
في واحدة من أبرز رسائله عبر وسائل الإعلام، شدد محمود على أن ملف التصدير لم يعد يحتمل الحلول التقليدية، بل يحتاج إلى إعادة هندسة شاملة تقوم على:
التحرك نحو أسواق بديلة بدلًا من الاعتماد على مسارات تقليدية معرضة للاضطراب
إنشاء منظومة تصدير مرنة تستجيب بسرعة للمتغيرات الدولية
ربط الإنتاج المحلي باحتياجات الأسواق العالمية لحظيًا
كما طرح فكرة “غرف العمليات التصديرية”، التي تمثل نقلة نوعية في إدارة التجارة الخارجية، حيث تعمل على رصد الفرص الطارئة وتوجيه المنتج المصري إليها بشكل فوري.
ثالثًا: مصر من ممر تجاري إلى قوة لوجستية إقليمية
لم يعد كافيًا أن تمر التجارة عبر مصر… بل يجب أن تُدار من خلالها.
هذا هو جوهر الرؤية التي طرحها المهندس إيهاب محمود، والتي تقوم على تحويل مصر إلى مركز إقليمي متكامل يشمل:
إعادة التصدير، التصنيع المرتبط بالخدمات اللوجستية،
تخزين وتوزيع السلع الاستراتيجية
وفي هذا السياق، تكتسب البنية التحتية التي تم تطويرها خلال السنوات الأخيرة أهمية مضاعفة، حيث تمثل الأساس الذي يمكن البناء عليه لتحقيق هذا التحول.
رابعًا: “ميناء جدة”.. شريان جديد للأمن الغذائي والدوائي
من بين أكثر الأفكار التي لاقت صدى في تصريحاته الإعلامية، طرحه لإنشاء خطوط إمداد برية متكاملة تربط مصر بدول الخليج عبر ميناء جدة الإسلامي.
هذا المقترح لا يهدف فقط إلى تسهيل النقل، بل يحمل أبعادًا استراتيجية أعمق، أبرزها:
تأمين تدفق الحاصلات الزراعية المصرية لدول الخليج،
ضمان وصول الأدوية ومستلزمات الإنتاج بشكل منتظم،
تقليل الاعتماد على المسارات البحرية المتأثرة بالتوترات،
وبذلك تتحول مصر إلى عنصر أساسي في معادلة الأمن الغذائي والصحي للمنطقة.
خامسًا: الدبلوماسية الاقتصادية… تحرك على الأرض
في تحليلاته عبر الصحف القومية، شدد محمود على أن نجاح هذه الرؤية يتطلب تحركًا حكوميًا سريعًا، يقوم على:
تكثيف الجولات المكوكية مع دول الخليج،
توقيع اتفاقيات تجارية مرنة وسريعة التنفيذ،
إزالة العوائق أمام تدفق الصادرات المصرية،
وأكد أن العلاقات القوية التي تربط مصر بأشقائها في الخليج تمثل فرصة حقيقية لبناء شراكات اقتصادية مستدامة، إذا ما تم استثمارها بشكل صحيح.
سادسًا: اقتصاد الأزمات… من التحدي إلى الاستثمار
في طرح يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة المرحلة، دعا المهندس إيهاب محمود إلى الاستثمار فيما يمكن تسميته بـ “اقتصاد الأزمات”، من خلال التركيز على القطاعات التي تشهد طلبًا متزايدًا في أوقات الاضطراب، مثل:
الخدمات اللوجستية،
التخزين الاستراتيجي،
الصناعات الغذائية،
سلاسل الإمداد الدوائية،
وهنا تتحول الأزمة من عبء اقتصادي إلى فرصة استثمارية تفتح أسواقًا جديدة.
خاتمة: مصر أمام فرصة لا تتكرر
تعكس تصريحات المهندس إيهاب محمود، كما وردت في لقاءاته التلفزيونية وطرحه عبر وسائل الإعلام والصحف القومية، تحولًا واضحًا في الخطاب الاقتصادي، من الدفاع إلى المبادرة، ومن إدارة الأزمة إلى صناعتها.
مصر اليوم لا تقف فقط أمام تحديات… بل أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف دورها في المنطقة.
فالرهان لم يعد على القدرة على الصمود فقط،
بل على القدرة على التقدم في لحظة يتراجع فيها الآخرون.
"الأزمات لا تصنع الخسائر فقط… بل تكشف من يملك شجاعة تحويلها إلى انتصار اقتصادي."

تعليقات
إرسال تعليق