بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي
يمثل أثر اتفاقيات منظمة التجارة العالمية على تنظيم الإدارة المحلية أحد أكثر الموضوعات تداخلاً بين القانون الدولي العام والقانون الإداري الداخلي، ذلك أن هذه الاتفاقيات، وعلى رأسها الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة واتفاقية الدعم والتدابير التعويضية واتفاقية حواجز التجارة الفنية اتفاقية تطبيق تدابير الصحة والصحة النباتية لم تعد تقتصر في تأثيرها على السياسات التجارية الكلية للدول، بل امتدت لتشكل قيوداً مباشرة على السلطة التقديرية للإدارة المحلية في مجالين حيويين هما منح الدعم الاقتصادي وإصدار التراخيص، وتكمن المفارقة القانونية في أن هذه الاتفاقيات موجهة أصلاً إلى الحكومات المركزية، لكن التزام الدولة بها يفرض عليها التزاماً فرعياً بضمان امتثال جميع مستويات الإدارة المحلية، من محافظات ومديريات وهيئات إقليمية، لأحكام هذه الاتفاقيات، وإلا تعرضت الدولة للمساءلة الدولية وإمكانية توقيع جزاءات تجارية عليها.
في مجال منح الدعم، تفرض اتفاقية تصنيفاً ثلاثياً يحدد بدقة ما يجوز للإدارة المحلية تقديمه من إعانات، فالفئة الأولى هي الدعم المحظور الذي يرتبط بأداء التصدير أو باستخدام السلع المحلية على حساب المستوردة، وهذا النوع تلزم الاتفاقية الدول الأعضاء بإلغائه فوراً ودون قيد أو شرط، وبالتالي تلتزم الإدارة المحلية بألا تمنح أي ميزة مالية، كالإعفاءات الضريبية أو تخصيص الأراضي بأسعار مخفضة أو منح القروض الميسرة، مشروطة بأن يصدر المستفيد جزءاً من إنتاجه للخارج أو أن يستخدم مواد خام محلية بنسبة محددة، فلو قرر محافظ إقليم ما منح شركة محلية تخفيضاً في قيمة الكهرباء لمدة خمس سنوات بشرط أن تبيع خمسين بالمئة من منتجاتها في الأسواق الخارجية، فإن هذا القرار الإداري يكون مخالفاً لالتزامات الدولة الدولية وقابلاً للإلغاء من القاضي الإداري حتى لو كان قانونياً وفق التشريع الداخلي، والفئة الثانية هي الدعم القابل للطعن، وهو الدعم الذي ليس محظوراً بشكل مطلق لكنه يصبح غير مشروع إذا ثبت أنه سبب ضرراً جسيماً لمنتجين من دولة عضو أخرى، كأن تمنح هيئة محلية إعانة نقدية لشركة محلية مما يمكنها من خفض أسعارها في السوق العالمي والإضرار بمنافسين أجانب، وهنا تلتزم الإدارة المحلية قبل منح أي دعم من هذا النوع بإجراء تقييم مسبق لآثاره المحتملة على المنافسة الدولية، وهو عبء إجرائي جديد لم تألفه الأنظمة الإدارية التقليدية، والفئة الثالثة هي الدعم غير القابل للطعن، والذي يجوز للإدارة منحه بحرية مثل الدعم المقدم للبحث العلمي أو للمناطق المحرومة أو لحماية البيئة، وهذه الفئة الوحيدة التي ما زالت تحتفظ فيها الإدارة المحلية بسلطة تقديرية واسعة نسبياً.
أما في مجال منح التراخيص، فتأثير اتفاقيات منظمة التجارة العالمية يأتي بشكل غير مباشر لكنه عميق الجذور اتفاقية تلزم الإدارة المحلية بأن تكون جميع متطلبات الترخيص المتعلقة بالمواصفات الفنية والقياسية غير تمييزية بين المنتج المحلي والمستورد، وألا تشكل حاجباً غير مبرر أمام التجارة الدولية، فإذا كانت إحدى المديريات تشترط للحصول على ترخيص مزاولة نشاط صناعي معين أن تتوافر في المنتج مواصفات فنية لا تتوافر إلا في المنتج المحلي دون المستورد، فإن هذا الشرط يعتبر مخالفاً للاتفاقية، وإذا كانت إحدى الهيئات المحلية تشترط فترات زمنية طويلة غير مبررة للحصول على الترخيص، أو تطلب مستندات لا تطلبها من المنتج المحلي، فإن ذلك يعتبر انتهاكاً لمبدأ الشفافية والمعاملة الوطنية، وهو ما يمكن الطعن فيه أمام القضاء الإداري المحلي أو حتى أمام آلية تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية، كما تلتزم الإدارة المحلية بموجب اتفاقية بأن تكون أي تراخيص أو تصاريح تتعلق بالصحة الصحة العامة والنباتية والحيوانية ان تكون مبنية على أدلة علمية وليس على اعتبارات حمائية، فلا يجوز لمديرية الصحة أن ترفض ترخيص دواء مستورد لمجرد أنه مستورد، بل يجب أن تثبت بأدلة علمية قاطعة أنه يشكل خطراً حقيقياً على الصحة العامة يفوق خطر الدواء المحلي المماثل
غير أن هناك حدوداً واضحة لهذا الأثر، فأهمها أن اتفاقيات منظمة التجارة العالمية لا تلزم الإدارة المحلية مباشرة، بل تلزم الدولة ككل، والدولة هي التي تتحمل المسؤولية الدولية عن أي انتهاك تصدره أي سلطة إدارية مهما كانت درجة لمركزتيها، وهذا يعني أن الإدارة المحلية تحتفظ بسلطة منح الدعم والتراخيص لكنها تمارسها تحت طائلة أن أي خطأ فيها ستحاسب عليه الحكومة المركزية أمام منظمة التجارة العالمية، وهو ما يخلق آليات رقابة داخلية جديدة تتمثل في إلزام الإدارة المحلية بالتشاور مع وزارة التجارة أو هيئة الاستثمار قبل إصدار أي قرار يتعلق بالدعم أو التراخيص ذات البعد الدولي، كما أن هناك استثناءات صريحة في الاتفاقيات تسمح للإدارة المحلية باتخاذ إجراءات لحماية الصحة العامة أو البيئة أو الأمن القومي حتى لو كانت تمثل قيوداً على التجارة، شريطة أن تكون هذه الإجراءات غير تمييزية ومدعومة بأدلة علمية، وهو ما يترك للإدارة المحلية مساحة للمناورة في حالات الأزمات أو الأولويات الوطنية، وخلاصة القول إن اتفاقيات منظمة التجارة العالمية أعادت تشكيل حدود سلطة الإدارة المحلية في منح الدعم والتراخيص بشكل لم يعد معها للإدارة أن تنظر إلى قراراتها باعتبارها مسائل داخلية خالصة، بل أصبحت مضطرة لمراعاة التزامات دولية تفوق في بعض الأحكام سلطة المشرع الوطني نفسه.

تعليقات
إرسال تعليق