الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني
قراءة نقدية فكرية ذات بعد ديني- سياسي
حين ارتقت أرواح الحكماء الأوائل في مدارج العبودية الإلهية الصافية، انفتحت أمامها آفاق لم تدركها الأبصار، كما انفرجت لهؤلاء ذوي الدم النقي السماء جزاء لصدق عبادتهم وسجودهم لله سبحانه. كانوا النموذج الحقيقي للمؤمن الذي يعبر إلى الله بصفاء أفعاله قبل كثافة شعائره.
أما اليوم، كل عبادات المتعبّدين من الأعراب والمسيحيين متناقضة؛ يؤدونها بإتقان ظاهري، وأما سلوكياتهم فتنحدر بها بلدانهم إلى دركات الفساد والانفلات. مشهد تتجاور فيه الصلاة مع الخيانة ولا تتجاور مع الخشوع لله أو الشعور بالروحانيات، والصيام مع الانغماس في الشهوات والفواحش دون أدنى التزام بالقيم والتعاليم الإلهية، ولا يصلحون ما أفسدوه. وفي مشهد آخر، تتكرّر الرحلات إلى مواسم الحجّ والعمرة، نحو البقاع المقدّسة، غير أنّ القريب المحتاج يواجه ضيق العيش وثقل المسؤولية. أيّهما أولى بروح العبادة، تكرار الشعيرة أم إنقاذ قريب يتكئ على حافة العوز؟ حتى إنّ الصورة تبلغ ذروتها حين تجتمع الصفوف في بيت من بيوت الله، يحمل أحدهم كتابه بيده اليمنى، بينما تمتد يده الشمال إلى ما لا يملك.
صار أغلب أولاد المتديّنين ظاهريا سارقون وفسقة وزناة وشواذ وبناتهم عراة والقضاة مرتشون، وبعض الأئمة يمارسون فاحشة اللواط. إذا جميع العبادات التي يقومون بها توحي أنها غير صحيحة، فليس هكذا يعبد الله.
مرّت قرون طويلة تعاقبت فيها الشعائر جيلا بعد جيل، غير أنّ السؤال ظلّ راسخا في دفاتر الزمن: أيّ أثر تركته تلك الرحلة الإيمانية في حياة المسلم وبحوزته القرآن الكريم يتصفّحه متى ما يشاء؟ أين انعكاس عبادته لله على سلوكه، وأين إيمانه في تفاصيل حياته اليومية؟
والمفارقة تكون مربكة حين يرتدي التديّن مظهرا صارما، بينما القيم والأخلاق والالتزام تتلاشى في الخفاء، فتجده يتعدّى جنسيا على ابنته وابنه لأعوام. لحية شكلية، وخطاب يفيض بالمواعظ، يترك شرخا عميقا بين ظاهر الإيمان وباطنه، حتى أنه أسوء من الغير متديّن.
كيف تستقيم عبادة ترفع فيها الأكفّ، بينما تُنتهك خلف الأبواب المغلقة الأعراض وحدود المحارم والقربى؟
،؛، كيف يقيمون العبادات ويفعلون المنكرات؟!،؛،
وفي صلب هذا الإيمان المزعوم لزماننا هذا، تقف فلسطين تستصرخ وجدان الشعوب، وتستنهض ما تبقى من النصرة الحقيقية. فما يزيد عن تسعة آلاف أسير يقبعون خلف قضبان السجون الإسرائيلية الشائكة، وأرواحهم تزهق تحت وطأة الانتظار، بينما تتكدّس إمكانات الدول في حين أنها تظهر للإعلام العالمي على أنها عاجزة عن إغاثتهم فعلا.
كيف لأمّة تتقاسم العقيدة والقبلة، بينما يترك جزء من شعبها على أرض من أراضيها تحت وطأة القتل والأسر؟
ستون دولة تتجاور في الاسم والانتماء وتعبد الله، غير أنّ أفعال حكّامها وشعوبها تتشظّى، وإرادتهم تتبدّد في تفاصيل الحسابات الضيقة وعلى الشاشات يتفرّجون وعلى وجوههم حسرة لحظية ودعوة عابرة تذروها الرياح. ولا أحد منهم شفع أو أنقذ فلسطينيا واحدا.
لو تحرّكت إرادة الشعوب العربية والإسلامية في أبسط الخطوات الجادة، لتحوّلت مساهماتهم اليسيرة إلى أثر ملموس وطاقة قادرة على فتح أبواب خلاص تسعة آلاف من الأسرى الفلسطينيين.
فما الحلّ لهذه المعضلة التي حلّت بالمؤمنين المرابطين في الأقصى!؟؛
عتق الرقاب بمبلغ زهيد من كل فرد كفيل بأن يصنع فارقا هائلا، ويحوّل الدرهم من وسيلة استهلاك إلى طوق نجاة يحرّر الأسير ويعتق رقبته، ويعيد له كرامته المسلوبة.
كان بإمكان ممثلي الدول العربية الدخول في مسار تفاوضي منظّم، يقوم على تقديم مقابل مالي كبير يجمع من شعوب مجموع الدول، بهدف تحرير الأسرى الفلسطينيين، وإحياء مبدأ عتق الرقاب وصون أرواحهم، فمنطق المصالح الصهيونية-الإسرائيلية يفتح باب الاستجابة لمثل هذا العرض المغري، إذ إنّهم يحبّون المال حبّا جمّا.
إن المأساة الحقيقية في العصر الحالي هي أن الأعراب لم يجاهدوا لتحرير الفلسطينيين، ولم يفدوهم حتى بأموالهم. رغم أن فكرة عتق الرقاب في التاريخ الإسلامي تعتبر أسمى درجات الإنسانية وأرقاها، وهي اليوم تحمل قابلية استثنائية للتجدد كآلية خلاص للفلسطينيين، كما كانت في عهد النبي محمد، لما أعتق رجاله رقبة الصحابي بلال وغيره.
فلتعد الموازين إلى سابق عهدها وأصلها، حيث تتطابق العبادة مع العدل، ويتماهى إيمان الناس مع نصرة المظلومين، في مشهد يليق بحقيقة الإنسان ورسالة السماء.
كان الأولى توجيه أموال الحج والعمرة نحو عتق الرقاب. لذلك فالعرب لا يعبدون الله بالشكل الصحيح. وإن بقوا على هذا الحال فليعلموا أنهم يعبدون الشيطان بقلوبهم وأفعالهم وليس لله سبحانه. فإنقاذ ما تبقّى من الفلسطينيين يرتقي إلى مرتبة الواجب الإنساني العاجل، بعد أن حصد الإسرائيليون أعدادا هائلة كان في الإمكان مدّ يد العون إليها. فيصير اليهود يبيعون الفلسطينيين، وشعوب العالم تشتريهم لتنقذهم من الموت المحتم، ويكون لديكم في المقابل صكّ عتق الرقبة.
يبلغ عدد المسلمين في العالم قرابة المليار والنصف نسمة، موزعين على أكثر من خمسين دولة عربية وإسلامية، ( السعودية حوالي 34 مليون، وفي اليمن حوالي 32 مليون، وفي عُمان 4.5 مليون، وفي الإمارات العربية المتحدة 7 مليون، وفي قطر 2.2 مليون، وفي الكويت 3.5 مليون، وفي البحرين 1.2 مليون، في الجزائر 44 مليون مسلم، وفي مصر 100 مليون، وفي المغرب 36 مليون، وفي تونس 11.5 مليون، وفي ليبيا 6.5 مليون، وفي موريتانيا حوالي 5 مليون، وفي السودان حوالي 45 مليون، وفي الصومال حوالي 17 مليون، والقائمة ما تزال طويلة .. إندونيسيا 240 مليونا، باكستان 230 مليونا، الهند 210 ملايين، بنغلاديش 150 مليونا، نيجيريا 110 ملايين، مصر 100 مليون، تركيا وإيران 85 مليونا لكل منهما...)، بالإضافة إلى ملايين آخرين في المهاجر بأوروبا وأمريكا وآسيا (فرنسا 6 ملايين، ألمانيا 5 ملايين) وأمريكا (4-5 ملايين).
وفي المقابل، يتجاوز عدد المسيحيين مليارين ومئتي مليون، موزعين بين الأميركتين (البرازيل 185 مليونا، المكسيك 110 ملايين) وأوروبا (ألمانيا 53 مليونا، فرنسا 45 مليونا) وأفريقيا (نيجيريا 87 مليونا، الكونغو الديمقراطية 75 مليونا).
فلو أن كل مسلم قدم دينار او درهم واحد من ماله وجمعت في صندوق أمين واستخدمت لعتق رقاب الفلسطينيين لنجو جميعا من الهلاك والله ولي المؤمنين!
أ مع كل هذه الأعداد الهائلة التي تزعم أنها تعبد الله ورسله، تظل فلسطين لوحدها وأسراها تئنّ تحت وطأة الانتظار، فأين الخلل؟!
تعليقات
إرسال تعليق