قصيدتي في رثاء والدي
بقلم الدكتور/محسن رجب جودة
أينَ الذي إنْ أطَلَّ الكَوْنُ يَرْتَقِبُ؟
وأُلجِمَتْ بِمَهابَةِ وَجْهِهِ الخُطَبُ
تلكَ العيونُ التي ما مَسَّها وَهَنٌ
غابتْ، فغابَ بها الميزانُ والأدبُ
إذا مَشى، سَكَتَ الروَّادُ وانْصَتوا
كأنَّ فوقَ رؤوسِ القومِ قد وَثَبوا
تَخرسُ ألسنةُ الزيغِ إنْ نَطقتْ
مَحاجِرُه، ويُجْلى بالرؤى الكَرَبُ
كانَ إذا حضرَ، استحالَ الجمعُ مدرسةً
كأنما الصمتُ في محرابِهِ أدبُ
بَسَطتَ كفَّكَ للعلْياءِ مَكرُمةً
فما تخلَّفَ عن إحسانِكَ السَّببُ
على الصغيرِ جناحُ العطفِ يبسُطهُ
وللكبيرِ وقارٌ دونهُ السُّحبُ
أعطيتَ حتى نسيْتَ الأخذَ مَنْ شِيَمٍ
واليومَ تُعطيكَ أدمُعُنا بما وجبُ
كم من يتيمٍ بفضلِ اللهِ أشْبَعَهُ
وكم غريبٍ بفيضِ الجُودِ يَنْتحِبُ
يا من تركتَ بكلِّ بيتٍ مأثرةً
وبكلِّ عينٍ دمعاً باتَ ينسكبُ
ما كانَ يملِكُ، للأضيافِ يَبذُلُهُ
كأنَّما مالهُ في كفِّهِ لَهَبُ
لا يَعرفُ "اللا" إذا ما سائلٌ وَقف
ببابِهِ الدارُ، بل لَبَّى ومَن يَهَبُ
يَفنى النُّضارُ ويبقى جُودُهُ عَلَماً
يُهدي الحيارى إذا ما اشتدَّت الكُرَبُ
أبا المَكارِمِ، والأفعالُ شاهدهٌ
أنَّ السَّحابَ من كفَّيكَ يُسْتَلَبُ
علَّمتَنا أنَّ مَن يعطي سَيَخْلُدُهُ
ذِكرٌ نقيٌّ، وما في دونهِ كَذِبُ
يا والدي، والقلوبُ اليومَ في شَغَفٍ
إلى خَيالِكَ، والذِكرى هيَ الحَسَبُ
رَحلتَ جِسماً، ولكنْ في مَجالِسِنا
ما زالَ صوتُكَ في الأرواحِ يَنتصِبُ
سقى ضريحَكَ صَوْبُ المزنِ من كَرَمٍ
كما سَقَيْتَ عبادَ اللهِ يا نَجَبُ
سيبقى ذِكرُكَ في الأفواهِ مَفخرةً
ويحكي فضلَكَ الأبناءُ والحِقبُ

تعليقات
إرسال تعليق