بقلم: د. كامل عبد القوي النحاس
ضمن سلسلة: بوصلة الشرق المضطربة
الافتتاحية:
غبار المعركة وضجيج الصمت
لم تكن نهاية الحرب العراقية الإيرانية لحظة حسم بقدر ما كانت لحظة التباس كبرى.
توقفت المدافع، لكن الأسئلة لم تتوقف:
هل خرج العراق منتصراً فعلاً، أم خرج فقط سالماً من هزيمة أكبر؟
في الظاهر، صمدت الدولة وبقي النظام ولم تتغير الخرائط، غير أن ما لم يتغير على الحدود كان قد تغير عميقاً في الداخل؛
في الاقتصاد، وفي القدرة على الاستمرار، وفي تعريف النصر ذاته.
لقد خرج العراق من الحرب مثقلاً بما لا يظهر في البيانات العسكرية:
ديون متراكمة، واقتصاد أنهكته سنوات الاستنزاف، وتوقعات داخلية صُنعت على مقاس نصر معلن.
ومع أول احتكاك بهذه الحقائق، بدأ التوتر يتشكل لا بوصفه خلافاً عابراً، بل كأزمة بنيوية تبحث عن مخرج،
وحين يعجز الاقتصاد عن تقديم هذا المخرج، يتقدم القرار السياسي ليصنعه.. ولو على حساب الجغرافيا.
أولاً: وهم القوة العارية..
حين تبتلع الماكينة مبررات وجودها
خرج العراق من أتون الحرب وهو يمتلك ماكينة عسكرية ضخمة بجيش ناهز المليون مقاتل، وترسانة سلاح هي الأحدث في المنطقة، مما جعل النظام يغرق في نشوة القوة.
هذه النشوة هي أخطر ما يواجه صانع القرار؛ إذ إن امتلاك القوة العسكرية الفائضة، غالباً ما يغري بالمغامرة غير المحسوبة، ويمنح شعوراً زائداً بالقدرة على ليّ ذراع الحقائق الاقتصادية والجغرافية.
إن القوة العسكرية تظل قوة عرجاء إذا لم تكن مقيدة بكلفة اقتصادية ورؤية سياسية راشدة، فالسلاح الذي يحمي الحدود قد يتحول إلى ردة عكسية تأتي على قواعد النظام والدولة إذا ما استُخدم للهروب من استحقاقات الداخل نحو مغامرات الخارج.
لقد امتلك العراق وقتها أمناً بسيطاً متمثلاً في الجيش، لكنه افتقد الأمن القومي المركب الذي يزاوج بين هيبة السلاح وسلامة الرصيد البنكي.
ثانياً: فخ الديون.. حين يصبح الدعم قيداً
دخل العراق الحرب وفي خزينته فائض أسطوري يقدر بنحو خمسة وثلاثين مليار دولار، وخرج منها بمديونية كاسرة للظهر ناهزت تسعين مليار دولار. هنا بدأت معركة من نوع آخر؛ معركة تفسير الدين.
فبينما كانت بغداد ترى في الأموال الخليجية منحة دم ومساهمة قومية لا تُرد، كانت لغة الأرقام في دفاتر المانحين تقول إنها قروض سيادية واجبة السداد.
هذا التناقض حوّل شعور الامتنان المفترض إلى مرارة سياسية حادة، مهدت الطريق لاحقاً لكسر ميثاق الأخوة.
لقد كانت كلفة خدمة هذه الديون تلتهم مبالغ ضخمة سنوياً، مما وضع العراق في مأزق الأمن القومي المركب؛ إذ امتلك القدرة على احتلال عواصم، لكنه لم يمتلك الرصيد الكافي لإصلاح محطة كهرباء دون استجداء قرض جديد.
ثالثاً: النفط كساحة معركة.. حين يخذل البرميل صاحبه
كان الرهان الوحيد لإعادة إعمار ما دمرته الحرب هو الذهب الأسود، لكن سوق النفط لم يكن يقرأ ملاحم البطولات؛ فقد تهاوت الأسعار لتصل إلى مستويات متدنية.
بالنسبة لصانع القرار في بغداد، لم ير هذا تذبذباً في الأسواق، بل رآه مؤامرة لخنقه اقتصادياً بعد أن فشلت الحرب في خنقه عسكرياً.
كانت كل خسارة دولار واحد في سعر البرميل تعني ضياع مليار دولار سنوياً من دخل الدولة، وهو ما لم يكن الاقتصاد العراقي المنهك قادراً على تحمله دون أن يؤدي ذلك إلى ثورة جياع في الداخل.
ومن هنا ولدت نظرية المؤامرة النفطية؛ فالعراق الذي عجز عن مفاوضة لغة الاقتصاد، قرر أن يشيطن لغة العرض والطلب، معتبراً أن تجاوز حصص الإنتاج يمثل عدواناً عسكرياً بصيغة نفطية.
رابعاً: سيكولوجية إدارة الوهم والهروب إلى الأمام
عاش النظام العراقي صراعاً مريراً للحفاظ على صورة المنتصر أمام شعب ضحى بكل شيء.
وبدلاً من مواجهة الحقيقة المرة والاعتراف بالإفلاس، اختار النظام تصدير الأزمة.
فبينما كانت الطبقة الوسطى التي هي عماد الدولة تنحدر نحو خط الفقر، كان الخطاب الرسمي يوجه الغضب نحو الخارج، متهماً الجيران بسرقة الثروة.
لقد أصبح التصعيد العسكري، في نظر القيادة العراقية، هو المخرج الوحيد لشطب الديون بلمسة سلاح، والاستيلاء على الموارد لتمويل أسطورة القوة التي صنعها.
كان غزو الكويت، في جوهره، محاولة يائسة لتصفية الحسابات الاقتصادية بعيداً عن منطق المحاسبة وقريباً من منطق القوة العارية.
الخاتمة:
حتمية الانفجار.. حين يصبح الوهم خطراً
إن الدرس القاسي الذي تقدمه هذه الحقبة هو أن القوة العسكرية غير الراشدة هي التي تبحث عن حلول ميدانية لمعضلات حسابية.
لقد أثبتت التجربة العراقية أن الدولة قد تصمد في ميادين القتال، لكنها تسقط في ميادين الاقتصاد حين تعجز عن دفع ثمن صمودها.
وبدلاً من أن يكون العراق حارس البوابة الشرقية، صار هو الإعصار الذي اجتاح البيت العربي، ليبدأ الشرق الأوسط فصلاً من الاضطراب، لم تُغلق صفحاته حتى اليوم.
تمهيد للمقال القادم:
هذا التناقض الصارخ بين كبرياء الجيش وإفلاس الدولة هو الذي سيقودنا في المحطة القادمة لاستكشاف كيف انزلق الخطاب العراقي، في غضون شهور قليلة، من لغة الشكر والتحالف إلى لغة التهديد والوعيد.
فكيف تحولت صورة الكويت في عقل صدام حسين من الرئة المالية إلى الهدف العسكري؟
وكيف مهدت الديون الطريق لتمزيق ميثاق الأخوة؟
موعدنا في المقال القادم: انكسار الميثاق.. من حارس الخليج إلى خصمه.

تعليقات
إرسال تعليق