بقلم :
د كامل عبد القوى النحاس
الافتتاحية:
من القاعدة إلى الاختبار الحقيقي
إن أي منهج فكري لا يُختبر على النصوص التفصيلية يبقى حبيس النظرية.
وبعد أن ثبت لدينا أن المحكم هو الأصل الحاكم، نأتي الآن لنختبر هذه القاعدة أمام الآيات التي يُثار حولها الجدل.
هنا يبدأ الامتحان الحقيقي للمنهج، حيث نكتشف أن ما يُظن تعارضاً ليس إلا نقصاً في الجمع، وأن المحكم هو الميزان الذي يضبط كل اضطراب متوهم.
أولاً: قضية الإضلال.. بين الإرادة والعدل
يسمع البعض قوله تعالى: يضل من يشاء
فيُخيل له أن الإضلال يقع بلا ضابط.
ولإزالة التوهم نقول :
الإضلال الإلهي ليس فعلاً ابتدائياً، بل هو جزاء مرتبط باختيار العبد.
تخيل إنساناً أصر على إغلاق نوافذ بيته الخشبية وأسأل خلفها الستائر، هل يلوم الشمس لأن بيته مظلم؟
القرآن يردنا إلى المحكم:
فيقول سبحانه:
فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم.
إذن، الزيغ بدأ من الإنسان، فتركه الله لما اختار.
الخلاصة:
ما بدا إضلالاً مطلقاً هو في حقيقته منتهى العدل المرتبط بانحراف الإنسان وزيغه عن طريق الحق والهداية.
ثانياً: رؤية الله.. بين النفي والإثبات
يقول تعالى:
لا تدركه الأبصار
ويقول فى نص آخر:
وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة
فهل نرى الله أم لا؟
وبيان ذلك :
السر يكمن في الفرق بين الرؤية والإحاطة.
أنت تنظر إلى السماء وتراها يقيناً،
ولكن هل يستطيع بصرك أن يحيط بكل أرجائها؟
بالطبع لا.
لله المثل الأعلى:
نحن سنرى الله بفضله نعيماً وتكريماً،
لكن أبصارنا لن تدركه إحاطة؛
لأن الخالق أعظم من أن يحيط به مخلوق.
إذا كنا لم نحط بمخلوقات الله، الشمس والمحيط مثال،
فهل نحيطكم بالخلق؟
الخلاصة: الرؤية ثابتة إكراماً، والإحاطة منفية تعظيماً، ولا تعارض بين الجلال والإكرام.
ثالثاً: الإرادة الإنسانية.. بين الاختيار والمشيئة
يقول تعالى: وما تشاؤون إلا أن يشاء الله
ويقول فى نص محكم: فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر
فهل نحن مسيّرون أم مخيرون؟
البيان:
أنت تملك مفتاح الاختيار، ولكنك تعيش في مملكة الله.
أنت مخيّر في قرارك، لكنك لست مستقلاً في وجودك.
تخيل أنك خلف مقود سيارتك، تملك كامل الحرية في توجيهها، وهذا هو اختيارك الذي تُحاسب عليه.
ولكن، هل تسير السيارة إلا إذا سمح الخالق للمحرك أن يعمل؟ أنت تملك حرية أن تريد،
والله يملك سلطة أن يقع ما تريد.
الخلاصة:
أنت مخيّر في التكليف، ومحاط في القدرة. فلا جبر يلغي المسؤولية، ولا تفويض يخرجك عن سلطان الله.
أنت مخير بإرادة الله، ومحكوم بقدرة الله.
رابعاً: الجزاء والمغفرة..
كيف تجتمع الذرة مع العفو؟
يقول تعالى : فمن يعمل مثقال ذرة شراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره
ويقول فى نص محكم:
ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
البيان:
الآية الأولى تخبرنا عن دقة الميزان وأن عملك محفوظ.
فلا يغيب عن إحاطة الله شيئ،
والثانية تخبرنا عن كرم صاحب الميزان.
ولله المثل الأعلى
قد يثبت أمام القاضى جرم الجانى، ولكن لظروف وملابسات خاصة، عامله القاضى بالرحمة وليس بالعدل.
فالله يحصى على العباد كل صغيرة وكبيرة، ثم يعفوا عمن يشاء، فلا تعارض.
الخلاصة: دقة العدل تثبت الحق، وسعة المغفرة تفتح باب الرجاء
.
خامساً: المعية الإلهية.. بين القرب والتنزيه
يقول تعالى: وهو معكم أين ما كنتم
فهل يعني ذلك وجوداً مكانياً لله سبحانه؟
البيان:
ولله المثل الأعلى:
حين يقول القائد لجنوده عبر اللاسلكي: أنا معكم، هل يقصد أنه يقف بجانبهم جسدياً؟
بل يعلمون أنه معهم يتابع ، ويوجه ويرسل لهم المدد اللازم.
الله معنا بإحاطته وعلمه الذي لا يغيب عنه شيء، وبقدرته التي تحمينا، ولكنه منزه عن المكان والحدود.
حتى عندما يقول:
الرحمن على العرش استوى
فليس معناه أن يحده المكان
الخلاصة: المعية هي إحاطة علم وقدرة، وليست حلولاً مكانياً يشبه معية المخلوقين.
سادساً: تعدد الزوجات.. بين طلب العدل ونفي الاستطاعة
يقول النص المحكم:
فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة
ثم يقول نص آخر:
ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم.
فهل هذا تعارض؟
ابدا..
وإليك فك الإشتتباك:
المحكم يفرق هنا بين نوعين من العدل.
العدل المطلوب في الآية الأولى هو عدل الجوارح (النفقة والمبيت والمعاملة) وهو مقدور عليه.
أما العدل المنفي في الثانية فهو عدل الجوارح (الميل القلبي والمحبة الكاملة)
وهذا لا يملكه بشر.
القرآن يطالبك بالعدل الذي تملكه، ويعذرك في الذي لا تملكه.
الخلاصة: لا تعارض بين وجوب العدل السلوكي، مع استحالة المساواة القلبية الكاملة.
سابعاً: هل ينسى الله؟
يقول نص:
نسوا الله فنسيهم
بينما يقول النص المحكم القاطع:
وما كان ربك نسياً.
البيان:
النسيان في حق الله ليس غفلة أو ضياع معلومة، بل هو ترك وإهمال من جنس عمل العبد.
بمعنى: لما تركوا أوامر الله في الدنيا، تركهم الله من رحمته في الآخرة.
نفي النسيان يعني تمام العلم، وإثبات النسيان يعني تمام الجزاء بالترك.
الخلاصة: الله لا ينسى خلقه غفلة، ولكنه ينسى الكافرين من رحمته جزاءً وفاقاً أى بتركهم ويطردهم.
النتيجة الجامعة وسقوط أوهام التعارض
عند جمع هذه النماذج السبعة يتضح قانون سيادي واحد:
كل ما ظُن أنه تعارض في القرآن، انكشف عند الجمع أنه اختلاف زوايا بيان لا اختلاف حقيقة.
المشكلة لم تكن في النص يوماً، بل في طريقة القراءة التي تعزل الآيات عن أخواتها.
النصوص لا تتصارع بل تتكامل؛
المحكم يبني الهيكل، والمتشابه يملأ التفاصيل.
والحمد لله رب العالمين

تعليقات
إرسال تعليق