القائمة الرئيسية

الصفحات

تقادم الدعوى التأديبية للموظف العمومي في زمن التحول الرقمي


بقلم. الدكتور احمد صفوت السنباطي 


تمثل إشكالية تقادم الدعوى التأديبية للموظف العمومي في زمن التحول الرقمي أحدث التجليات التي تفرض على الفقه الإداري إعادة النظر في مفاهيم كلاسيكية كانت مستقرة لعقود، فالتقادم في القانون التأديبي يعني سقوط حق الإدارة في توقيع الجزاء على الموظف بمرور مدة زمنية معينة دون اتخاذ إجراء، والحكمة منه تتلخص في استقرار المراكز القانونية، وضمان عدم بقاء الموظف تحت تهديد المساءلة لفترات غير محدودة، وتشجيع الإدارة على سرعة الفصل في القضايا التأديبية، وتجنب صعوبة الإثبات بمرور الزمن، وكانت هذه المدة في التشريع المصري تحدد عادة بثلاث سنوات من تاريخ ارتكاب المخالفة أو من تاريخ اكتشافها حسب الأحوال، لكن التحول الرقمي للحكومة، بنظمه الآلية والتطبيقات الذكية وقواعد البيانات الضخمة والمراقبة الإلكترونية المستمرة للموظفين، قد قلب هذه المعادلة رأساً على عقب وأثار إشكاليات جديدة أربكت مفهوم التقادم التقليدي.                                                                            

تتمثل الإشكالية الأولى في تحديد تاريخ بدء سريان التقادم، ففي النظم التقليدية كان التاريخ يبدأ من يوم ارتكاب الموظف للمخالفة أو من يوم علم الإدارة بها، لكن في البيئة الرقمية، كثيراً ما تكون المخالفة التأديبية مرتكبة عبر أنظمة إلكترونية تتيح للإدارة تتبعها وتسجيلها بشكل لحظي وآلي، فمثلاً الموظف الذي يستخدم جهاز العمل في تصفح مواقع غير مصرح بها، أو الذي يتلاعب في بيانات الدخول إلى الأنظمة، أو الذي يرسل ملفات حساسة عبر بريده الشخصي، كل هذه المخالفات تسجل تلقائياً في سجلات الخادم المركزي، والسؤال الذي يثيره الفقه؟ هل يعتبر تحقق علم الإدارة بهذه المخالفات فور حدوثها لأن النظام سجلها، أم يعتبر العلم من تاريخ اطلاع المسؤول الإداري على هذه التسجيلات؟ وإذا كان النظام يسجل المخالفة تلقائياً لكن الإدارة تكتشفها بعد سنة كاملة بسبب كثافة البيانات، فهل يبدأ التقادم من تاريخ التسجيل الإلكتروني أم من تاريخ الاكتشاف الفعلي؟ المحكمة الإدارية العليا في بعض أحكامها الحديثة تميل إلى اعتبار التسجيل الإلكتروني بمثابة علم الإدارة ما لم تثبت الإدارة أن هذا التسجيل كان مدفوناً ضمن كم هائل من البيانات لا يمكن تتبعه بشكل معقول، لكن هذا الحل يظل غير حاسم ويعتمد على ظروف كل حالة، مما يخلق حالة من عدم اليقين القانوني.                                                                                                                            

أما الإشكالية الثانية فتتعلق بقواعد انقطاع التقادم ووقف سريانه في البيئة الرقمية، فتقليدياً ينقطع التقادم باتخاذ إجراء تحقيق جاد مثل إحالة الموظف إلى التحقيق أو توجيه اتهام إليه، لكن في زمن التحول الرقمي، كيف يمكن التعامل مع الإجراءات الآلية التي تتخذها أنظمة إدارة الموارد البشرية دون تدخل بشري مباشر؟ فلو أرسل النظام الآلي إخطاراً للموظف بفتح تحقيق ضده بناء على مؤشرات رقمية، هل يعتبر هذا الإخطار إجراءً قاطعاً للتقادم؟ الفقهاء هنا فريقان فريق يرى أن الإجراء الإلكتروني الآلي لا يقطع التقادم لأنه يفتقر إلى الإرادة الإدارية المباشرة، وفريق آخر يرى أنه يكفي أن يصدر الإجراء من نظام معتمد من الإدارة وأن يصل إلى علم الموظف، بغض النظر عن الوسيلة، والاتجاه الحديث يميل إلى قبول الإجراءات الإلكترونية كقاطعة للتقادم شريطة أن تكون موثقة وموقعة بتوقيع إلكتروني معتمد من جهة إدارية مخولة، أما الإشكالية الثالثة والأكثر إلحاحاً فهي تتعلق بالمخالفات المستمرة أو المخالفات ذات الطبيعة الرقمية المتجددة، ففي النظام التقليدي، المخالفة المستمرة كالغياب عن العمل دون عذر لعدة أيام، يعتبر التقادم قد بدأ من تاريخ انتهاء المخالفة وليس من تاريخ بدئها، لكن في الفضاء الرقمي، هناك مخالفات قد تتجدد بشكل يومي وآلي، مثل قيام الموظف باستخدام تطبيق ذكاء اصطناعي محظور على جهاز العمل، أو اختراقه لأنظمة الحماية الرقمية بشكل دوري، وهذه المخالفات ليست متصلة بشكل متجانس بل هي فعل متكرر يتجدد كل مرة يستخدم فيها الموظف التطبيق، والسؤال؟ هل يعتبر كل استخدام جديد مخالفة مستقلة لها تقادمها الخاص، أم يعتبر مجرد استمرار لمخالفة واحدة يبدأ تقادمها من آخر مرة استخدم فيها التطبيق؟ قضاء بعض الدول الأوروبية ذهب في اتجاه اعتبار المخالفات الرقمية المتكررة بمثابة مخالفات مستقلة إذا كان بينها فاصل زمني يمكن الفصل فيه، أما إذا كانت متلاحقة بشكل شبه يومي فتعتبر مخالفة واحدة مستمرة، وهذا الحل وإن بدا عملياً، إلا أنه يثقل كاهل الإدارة بمتابعة كل استخدام على حدة ويخلق صعوبات إثباتية.                                                                                                                                

أما الإشكالية الرابعة والأخيرة فتتعلق بإمكانية تعديل مدة التقادم نفسها في ظل التحول الرقمي، فبعض الفقهاء يرى أن سهولة الرصد الإلكتروني وطول فترات حفظ البيانات تجعل مدة الثلاث سنوات التقليدية غير كافية للإدارة لاتخاذ إجراءاتها، ويطالبون بتمديدها إلى خمس سنوات على الأقل، بينما يرى فريق آخر أن السرعة الإلكترونية في الاكتشاف والتحقيق يجب أن تؤدي إلى تقصير مدة التقادم ، لأنه لم يعد هناك عذر للإدارة في التأخر.                                    

وفي النهاية، تظل هذه الإشكاليات مفتوحة أمام الفقه والتشريع، والمرجح أن نصل خلال السنوات القادمة إلى قانون نموذجي موحد لتقادم الدعوى التأديبية في العصر الرقمي، يحسم تاريخ بدء التقادم بتاريخ الاكتشاف الفعلي المسجل إلكترونياً، ويقر حجية الإجراءات الإلكترونية في القطع والوقف، ويضع قواعد خاصة للمخالفات المستمرة والمتكررة، مع الاحتفاظ بمرونة كافية تمكن القاضي التأديبي من تقدير الظروف الخاصة لكل قضية على حدة.

تعليقات