القائمة الرئيسية

الصفحات

عمرك يُسرَق في خمس دقائق من سلسلة مقالات (( مغسلة العقول... لا تشاهد محتوى، بل تتشكل عقولنا))


 


بقلم/ أسماء عبده 


كان يقف عند باب شقته، متهيئًا لبدء يومه العملي، وفي قلبه طموحات لا تكاد تسعه. كأي شاب، كان يحلم بتطوير عمله لزيادة دخله، ويطمح لاستكمال دراساته العليا لاقتناص فرص أفضل، وكان يسعى لبناء حياة مستقرة وأسرة تمنح أيامه معنى. نظر إلى الساعة، فوجد أن لديه متسعًا من الوقت قبل الانطلاق، فابتسم لنفسه قائلًا: "خمس دقائق فقط أتصفح فيها هاتفي، أستريح قليلًا، ثم أنزل".


جلس على الأريكة وفتح أحد التطبيقات، لينزلق تدريجيًا إلى عالم لا نهاية له من المحتوى؛ فيديو قصير يتبعه آخر، ثم إشعار، فمقطع جديد، ومنشور عابر. لحظات من التسلية الخفيفة تحولت دون أن يشعر إلى حالة من الاندماج الكامل، حيث تلاشى إحساسه بالوقت، وانقطع تدريجيًا عن واقعه.


وفجأة، بدأ يشعر بثقل في عينيه، وببطء غير معتاد في حركته، مع ألم خافت في جسده. نهض بصعوبة واتجه نحو المرآة، ليتفاجأ بملامح لم تعد مألوفة له. وجه مرهق، وعينان تحملان أثر سنوات طويلة لم تُستثمر في عمل أو إنجاز أو تجربة حقيقية، بل تلاشت في استهلاك متواصل لمحتوى عابر. في تلك اللحظة، أدرك أن المشكلة لم تكن يومًا في "خمس دقائق".


نظر حوله، فوجد أن كل شيء لا يزال كما هو؛ باب الشقة مفتوح، وضوء الشمس ثابت، والساعة لم تتحرك. العالم لم يتغير، لكن شيئًا ما داخله قد تبدد. وبينما كان يحاول الابتعاد عن هاتفه، أضاءت شاشته فجأة، وظهرت رسالة قصيرة: "لا تقلق… ما زال لدينا وقت أطول".


هذه القصة، وإن بدت خيالية، تعكس واقعًا يعيشه كثيرون في عصرنا الحالي. فالتشتت لم يعد مجرد سلوك عابر، بل أصبح نمطًا يوميًا يُعاد من خلاله تشكيل طريقة عمل عقولنا. نحن لا نضيع الوقت فقط، بل نُدرّب أنفسنا، دون وعي، على الاعتماد المستمر على التحفيز السريع والهروب من التركيز العميق.


لقد أصبح التشتت في العصر الرقمي ظاهرة مُنظمة، تقوم على تصميمات مدروسة تستهدف جذب الانتباه لأطول فترة ممكنة. فكل إشعار، وكل مقطع مقترح، يمثل محاولة لإبقاء المستخدم في حالة تفاعل دائم، ما يؤدي تدريجيًا إلى تراجع القدرة على التركيز، وزيادة الاعتماد على الإشباع الفوري.


وتكمن خطورة هذا النمط في كونه غير محسوس؛ فهو لا يُحدث صدمة فورية، ولا يترك أثرًا مباشرًا، بل يعمل بهدوء على استنزاف الوقت والطاقة. وينتج عن ذلك عدة آثار، من أبرزها الدخول في حلقة من التجنب، حيث تتحول المهام الجادة إلى مصدر ضغط يدفع إلى الهروب نحو الهاتف، ثم يتبع ذلك شعور بالذنب، يُعالج بمزيد من التشتت.


كما يتولد ما يمكن تسميته "وهم الإنجاز"، حيث يشعر الفرد بالحيوية نتيجة استهلاكه المستمر للمحتوى، رغم أن واقعه العملي لا يشهد تقدمًا حقيقيًا. وعلى المدى الطويل، يؤدي ذلك إلى تآكل المساحة الذهنية اللازمة للتفكير المستقل، مع تراجع القدرة على التأمل وصياغة الأفكار الخاصة.


الحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن فقدان الوقت لا يحدث دفعة واحدة، بل يتراكم في صورة دقائق صغيرة غير ملحوظة. ومع مرور الوقت، تتحول هذه الدقائق إلى ساعات، ثم إلى سنوات، دون أن يلتفت الإنسان إلى حجم ما فقده.


إن استعادة السيطرة لا تعني بالضرورة الانقطاع عن التكنولوجيا، بل تبدأ بإدراك واعٍ لطبيعة العلاقة مع هذه الأدوات. فمجرد التوقف للحظة، وطرح سؤال بسيط: "هل أستخدم الهاتف، أم أنه هو الذي يستخدم وقتي؟" قد يكون خطوة أولى نحو إعادة التوازن.


في النهاية، تبقى المسألة ليست في الوقت الذي نقضيه أمام الشاشات فحسب، بل في ما نفقده في المقابل. فكل دقيقة تمر دون وعي قد لا تكون مجرد وقت ضائع، بل جزءًا من حياة لا يمكن استعادتها.

تعليقات