القائمة الرئيسية

الصفحات

• هل زعماء العالم والحكومات في خدمة شعوبهم؟



الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني


قراءة تحليلية سياسية اجتماعية


كلّنا يرى، عندما تخرج الشعوب في مظاهرات حاشدة لتندّد بقانون أو إجراءات معيّنة، 

هل يستمع الحكّام إلى مطالبهم؟ رغم أنّ الشعوب ذاتها هي من تنتخب هؤلاء الرؤساء.

القادة العرب الذين يقمعون شعوبهم، رغم وجود احتجاجات ومعارضات، هل تعير هذه الحكومات اهتماما لشعوبها؟ الجواب: أبدا ؟! 

في فترة الانتخابات يتودّدون إلى شعوبهم لاعتلاء كراسي الحكم، ثم تصبح الشعوب أسيرة لدى زعمائها وحكّامها المنتخبون. إذا احتجّوا على القوانين التعسّفية للبلاد أو انتفضوا، أو طالبوا بتسوية أوضاعهم، فالسجون مصيرهم. إذا عارضوا طبيعة الحاكم الاستبدادية، الاعتقال ينتظرهم. إذا عارضوا، القيود نهايتهم. إذا استخدموا حريّة التعبير، فالتشويه حتفهم.


ماذا تفعل الحكومات بعدما تنتخب من طرف الشعب عندما تعتلي كرسيّ الحكم رسميّا؟ 

ماذا يفعل الحاكم، وماذا يصنع الجيش؟


تفصل غالبية المسؤولين في الحكومة التي سبقتها أو تغيّر مناصبهم كليا، ثم تقطع علاقتها بالشعب تماما حتى قدوم الانتخابات المقبلة.


ثم يبدؤون في الانشغال بأمورهم الشخصية وأمور عائلاتهم؛ يقتنون سيارات فاخرة، فيلات ذات مساحات شاسعة، يخوتا، سياحة وسفريات، ومشاريع لأبنائهم وبناتهم. ويقومون بعزل بعض الأعضاء المعادية من المناصب الهامة، ثم ينصّبون أبناءهم وأفرادا من عائلاتهم فيها.

كما توضع أموال الخزينة تحت تصرّفهم، فيسافرون بها إلى شتّى بقاع العالم، ويعالجون بها أمراضهم في مستشفيات أجنبية متطوّرة والتي تتطلّب أموالا طائلة تنفق من المال العام. إضافة إلى أنهم يستثمرون في مشاريع كبرى، ويشترون أسهما وعقارات لهم ولأبنائهم وعائلاتهم، ويعقدون الصفقات من أموال الشعب الأسير في موطنه.

ولا يكتفون بذلك، بل يختلسون منها مبالغ هائلة، ويحوّلونها إلى أرصدة خارج البلاد في بنوك عالمية، ويشترون بها منتجعات في دول أخرى، وكلّ ما يخدم نفوذهم. وإن قدّموا للشعب شيئا، فما يقدّمونه إلا الفتات لإسكاته، 0.5%، و99.5% لهم... وكأنّ الحكّام والزعماء، عندما ينصّبون، يشعرون أنّهم ملوكا متوّجة، وأنّ كلّ ثروات البلاد وأموال الشعوب في خزينة الدولة يجب أن توضع تحت إمرتهم، لخدمتهم وخدمة حاشيتهم فقط. 


فمثلا، الحاكم الأمريكي، مقابل خدمات بسيطة لا تتجاوز 1% تنفق لصالح الشعب الأمريكي، يوجّه الباقي لخدمة أجنداته؛ قسما من الأموال يسخّره لنفسه ولزوجته وأبنائه، وقسم آخر لحاشيته وقادته والحلفاء ووزارة الدفاع. وعندما يخرج الشعب رافضا قصف دولة أخرى، يصرّ الحاكم على موقفه، وهذا يشير على أنه يتحرّك وفق ميولاته الفردية، وكأنّ القرار لا يعكس إرادة الشعب. وخزينة الدولة يستنزفها في مشاريع لا تخدم المواطنين، حتى بلغ الدين العام مستويات ضخمة تقدّر بعشرات التريليونات، سعيا لقيام حكومة حليفة تدعى إسرائيل.


وفي مثال آخر، قدّمت دول كـالسعودية تريليونات الدولارات، كان يفترض أن توجّه لخدمة الشعب الأمريكي، غير أنّها وجّهت إلى جهات أخرى بعيدة عن مصلحة المواطن الأمريكي، والسعودي قبله، والفلسطيني المضطهد.

الحاكم ينظر إلى نفسه وكأنّه مالك للثروة، يتصرّف فيها باعتبارها حقا شخصيا له ولعائلته. 


لماذا يفعل ذلك؟

لأن الشعب صامت، إذ جرى اقناعه بأنّ هذه الثروات لا تخصّه، ولا يحقّ له مساءلة كيفية إدارتها. وحتى حين تنفق الأموال في السعودية على مشاريع كالفنادق أو البنى التحتية، فإنّ الهدف تعظيم إيرادات الحجّ والعمرة التي تعود في النهاية إلى السلطة نفسها. أمّا المناطق من حول مكّة يعيش قاطنيها في حالة مزرية وكأنهم في العصر الحجري.

كما تغيب الشفافية في كثير من الأحيان، فلا تقدّم بيانات واضحة حول حجم الثروات الطبيعية من نفط وغاز ومعادن، ولا حول الإيرادات والمصروفات، مما يبقي الشعوب في حالة جهل تامّ بما يدخل ويخرج من خيرات بلادها. وينطبق نفس الشيء على دول أخرى، حيث يطرح تساؤل حول ما إذا كانت ثروات الدولة تستثمر فعلا في مستقبل الأجيال، أم توجّه إلى الخارج أو إلى مشاريع لقيام حكومة صديقة. ثم يُقال للشعوب: "لا توجد أموال"، بينما تنفق مبالغ ضخمة في الخفاء، وتستثمر خارجا وعبر العالم، أو تحوّل إلى أصول من ذهب مخزّنة تحت الأرضيات للأجيال القادمة من عائلات الحكّام، لتكون لهم إرثا خاصا.

فكلّ حاكم لديه من الثروات ما يعيش من خلالها حياة الملوك إلى الأبد، ومن الأموال ما يغطي مصاريف ذريّته جيلا بعد جيل. هكذا هو منطق هؤلاء الحكّام.


أموال الشعب تستخدم أيضا للتأثير وتمويل العملية السياسية نفسها، عبر دعم حملات انتخابية أو توريث النفوذ داخل العائلة، كما يفعل الرئيس الأمريكي الذي ينوي أن يرشّح ابنته. حين تغيب الرقابة، تصبح ثروة الشعوب أداة للسيطرة في يد الحاكم.


 تطرح أمثلة عن دول في الجزيرة العربية كالإمارات، التي أنفقت أموالا طائلة على إنشاء قواعد عسكرية داخل أراضيها وفي محيطها الخليجي، وفي حقيقة الأمر ماهي إلا قواعد موجّه لتأمين استقرار نظام حليف كإسرائيل، أكثر من كونه لحماية الشعب. كما تعقد تحالفات عسكرية مع الولايات المتّحدة الأمريكية، يفترض أنّها توفّر الحماية للأمّة، غير أنّ جدواها تبقى محلّ تساؤل لدى من له رؤية ترى أبعد من المواقف الديبلوماسية المزيّفة.


دول الخليج اعتمدت على تحالفات عسكرية مع أمريكا لتأمين استقرارها، كإنشاء مئات القواعد العسكرية، غير أنّ هذه التحالفات لم تضمن الحماية الفعلية عندما ضربت إيران تلك المنشآت بالصواريخ.

إنّ هذه الجيوش لم تكن مستعدّة لتحمّل كلفة حقيقية كالموت دفاعا عن الأعراب، بقدر استعدادها للدفاع عن أولوياتها الاستراتيجية كما تفعل لأجل حماية اليهود. 


كما يقابل ذلك بانتقاد للواقع العربي، حيث ينظر إلى انعدام كلّي للتضامن بين الشعوب العربية والأنظمة، وظهور فجوة غائرة بين مفهوم الأخوّة في دين الإسلام المُعلن وسلوكيات الأعراب فيما بينهم. المشركون متّحدون في كلّ شيء ويساندون بعضهم بعضا، عكس الأعراب، إذ يتركون اخوتهم يموتون على الأرض المقدّسة ولا يرمش لهم جفن. 


إنّ الأولويات في الإنفاق تميل إلى تعزيز الأجهزة الأمنية والعسكرية، بما يضمن استقرار سلطة العائلة الحاكمة، أكثر من توجيهها نحو تلبية حاجات المجتمع. وخصوصا عندما تواجه الاحتجاجات الشعبية، تتحرّك الجيوش لقمعها بإجراءات أمنية صارمة، بدل المعالجة الفعلية، وبدلا من أن توجّه الجيوش لمحاسبة الحكومات والحكّام، ومساءلة من تدور حولهم شبهات الفساد وسوء الإدارة.

كما يجدر الإشارة إلى أنّ عائدات الموارد الطبيعية، من معادن وثروات، لا توزع بشفافية، ولا يستفيد منها عموم المواطنين، مقارنة بما تستنزفه العائلات الحاكمة والنخب. كالطائرات الخاصة التي يستخدمونها في رحلاتهم إلى أنحاء العالم ونقل أولادهم للإستجمام خارج أوطانهم. عوض أن توجّه هذه الموارد بشكل أكبر نحو التعليم، والصحّة، والبنية التحتية، وتنمية المجتمع، ألن يكون ذلك كفيلا ببناء مستقبل أكثر استقرارا للأجيال القادمة؟


،؛، يضحكون على الناس بقولهم إنّ الحكومات في خدمة الشعوب، بينما الحقيقة أنّ الشعوب هي التي وضعت في خدمة الحكومات وحكّامها.،؛،


تجد في بعض الدول شعوب مغيّبة، كما المصريون حين نصّبوا حاكما عسكريا، استحوذ على كامل ثروات البلاد. والأدهى من ذلك أنّ الشعب لم يخرج هذه المرّة ضدّ من يعده ويمنّيه، ويستنزفه تدريجيا.


،؛، والصادم أكثر، أن الحكومات بزعماءها، تضع نفسها في موقع فوق المساءلة، وقد شرّعت قانونا خاصّا لا يضمّ إلا بندا واحدا؛ أنّ من يساعد الشعب كأنّما يعصي الإله! ،؛،


،؛، إذ كيف لأرض العزّة أن تقصف لسنوات، بينما ينشغل الأعراب بالأعياد والزواج والمواسم والاحتفالات، ويخلدون إلى الراحة والسكون والدفء والأكل والشرب في بيوتهم، ثم يردّدون: إنّ تحرير فلسطين يؤول إلى تسريع اقتراب قيام الساعة، وهذا ما لا يرغبون في حدوثه. كيف لا يعملون لآخرتهم، ولا يسعون لما يقتضيه ذلك من مواقف؟! ،؛،


وفي دول أخرى، نجد الأمر على النقيض تماما، إذ توجّه الموارد لخدمة الدولة والمجتمع معا، كما الحال في كوريا الشمالية، حيث يخصّص الحاكم الإمكانات لتوفير السلاح، والغذاء، والأمن، والبنية التحتية، والصحة، والتعليم، والتطوّر التكنولوجي... وتسعى كثيرا من الدول إلى بناء مستقبل أكثر ازدهارا لشعوبها.


وعليه أقول،


أن ما سيحدث لاحقا هو أن الشعوب المنهكة ستنهض وتنتفض عاجلا ضدّ حكّامها، إذ باتت واعية؛ وأدركت أنّ الحكّام لا يكترثون لمستقبلهم. لا يبنون لهم مستشفيات، بينما أولادهم يعالجون في دول أخرى، كما رأوا كيف أنّ أبناء الحكّام يستثمرون أموال الشعوب في البورصات ويحوّلونها لمصالحهم الخاصة.

ما سنشهده قريبا هو سقوط متتال للحكومات والحكّام، وثورة شعوب لإقالة كل من أساء استخدام السلطة.


 فما دور الحكومات والحكّام إلا شرعنة أموال الشعوب؟ والمصيبة أنّ هذه الشعوب لا تحتاج في الحقيقة إلى حكّام أو حكومات، إذ إنّ معظم هذه الأجهزة تدور حول مصالح الحاكم الشخصية فقط.

فالشعب يحتاج إلى قيادة تحمي مصالحه، لا قيادة تصادر أراضيه وتستحوذ على ثروات بلده، ثم تستثمر تلك الموارد في مصالح أولاد الحاكم، بعد أن اختارهم الشعب لنيل الثقة، راحو ليُسرقوا من جديد. 

يمكن للشعوب أن تحكم بنفسها، فهي ليست بحاجة إلى جيش أو شرطة؛ فالأمن، في الغالب، يستخدم ضدّها إذا احتجّت أو طالبت بحقوقها وأموالها التي تهرب إلى الخارج، والقضاء غالبا ما يقبل الرشاوى ولا يقيم العدالة، فيما الفساد منتشر حتى النخاع في القمّة. مئات الدول اقتصادها قائم على حساب مواطنيها، فهل حمتها الجيوش؟ لا. الجيوش تتحرك عادة في حالة واحدة، عندما تخرج مظاهرات تطالب بإسقاط الحكومات والحكّام، فتكون مهمّتها قمع الشعب واعتقاله في السجون الانفرادية وإذلاله وتحطيمه نفسيا، وليس لحماية الوطن.


ومن علامات آخر الزمان: "لا يخرج المهدي حتى لا يبقى قيل، ولا ابن قيل إلا هلك". والقيل: الرأس. وأمّا الحقيقة التي يخفونها، القيل هو الحاكم.

 

شعوب الخليج تبنّت شريعة الصمت اتجاه حكّامها والتي ستضربها موجة مجاعة مميتة رغم امتلاك زعماءها أموالا طائلة، لن تستطيع شراء المؤن؛ لأن تلك الأطعمة لا تنتجها بلدانهم، وإنّما تنتجها بلدان أخرى. فهم لم يحرثوا أرضهم ولم يزرعوها، ومستقبلا لن يجدوا ما يأكلونه، وسيموتون في ظرف فترة وجيزة. فكيف سيكون حالهم بعد أشهر؟


 الخطّة التي اعتمدتها النخبة لقتل الخليجيين هي التجويع.


،؛، لكم أن تتصوروا شعوب دول الخليج تموت جوعا دون شرف قتال ودون مواجهات؛ لأن هذه الأمة لم تزرع بذورا، ولا أخلاقا، ولا إيمانا، ولا علوما، فماذا ستحصد؟! ،؛،


دول شمال إفريقيا أراضيهم مخضرّة وخصبة، ولديهم البذور والمياه والآلات، ومع ذلك لا تزرع تلك الأراضي الشاسعة، ورجالهم منشغلون ينكحون كما تنكح النساء.


الحكومات لم تتسلّح، ولم تنتج طعامها بيدها، والشعوب لم تدافع عن نفسها، فمصيرها المخجل الموت من الجوع. إنه لعار يسجّله التاريخ، أن يكتب عن أمة في العصر الحالي تموت جوعا!


الشعوب المتخلّفة لمّا لم يصنعوا أسلحة ولم يحقّقوا الاكتفاء الذاتي، ففقدت منهم أراضيهم وماتوا جوعا. ولمّا لم يصنعوا الأدوية، ماتوا بالأمراض. ولمّا لم يهتمّوا بتعليم شعوبهم، تأخّروا ولم يعودوا يستوعبون كيف يفكّر عدوّهم ويخطّط للإطاحة بهم فهزموا.


إذا استخدمت ضدّهم قنبلة كهرومغناطسية، فلن يعرفوا كيف تفعّل تلك الشبكات والرادارات لتعقبّها أو صدّها.


الشعوب التي صمتت ورضيت بالحكومات والحكّام والخونة، سيكون مصيرها في النهاية الموت فقرا وبقرا على يد أعدائها. صحيح أنه يطلب منهم أن يكونوا خونة لتمكين غيرهم من ثروات شعوبهم، ولكن في النهاية يقضون عليهم.


،؛، كل حاكم سرق شعبه، فقد العيش بسلام؛ إمّا أن يقتل أو يسمّم هو وعائلته. الخونة الأعداء يضحكون عليهم، وشعوبهم أيضا مضحوك عليهم. ،؛،


يقال لهم: لا تخرجوا على حكّامكم. ولكن يمكنكم الخروج على الله ودينه وكتابه ورسوله، فكفروا وألحدوا، ولم يتجرّأو على الخروج على الحاكم الخائن اللصّ، 

وكأنّ الحاكم إله أرفع مقاما من الله وكتابه ورسوله. كان الأولى والأجدر أن يخرجوا على الحاكم والحكومة، وأن يزرعوا طعامهم بأنفسهم، ويتسلّحوا، ويتعلّموا ويُعلّموا أولادهم؛ لأنّه لا أحد سينفعهم في الأخير.


،؛، الخطط تتّجه نحو التخلّص من هذه الشعوب قبل نهاية العقد، فماذا سيفعل بهم وهم في هذه الدرجة من الغفلة واللامبالاة والحمق والغباء؟!،؛،


المشكلة تكمن في طبيعة الاعتماد الكامل على الخارج. فالمشهد يكشف اختلالا عميقا في بنية هذه الدول؛ أكثر من خمسين دولة عربية لا تصدّر القمح، بل تعتمد على استيراده. وأكثر من خمسين دولة تستورد الأسلحة ولا تصنّعها، لا تصنع حتى مسدّسا واحدا في حين أن شعوب الدول الأوروربية والآسيوية كلّها مسلحة فكيف بحكوماتهم؟! أكثر من خمسين دولة تستورد الأدوية ولا تنتجها. كما أن برامج ومنظومات التعليم نفسها يتمّ استقطابها من الخارج، 

كلّ كبيرة وصغيرة مستوردة ولا يبتكر منها شيء يذكر.. وبهذا الشكل، تصبح الأمّة كلّها قائمة على الاستهلاك والتبعية، لا الإنتاج والاستقلال.


في المقابل، نجد دولا أخرى، أقلّ عددا وأصغر مساحة تمتلك القدرة على إنتاج الغذاء والسلاح، بل وتصدّره إلى العشرات منهم. دولة واحدة قد تملك من الموارد والإنتاج ما يكفي لتزويد الـ 54 دولة عربية بالغذاء والسلاح، رغم أن بعضها لا يمتلك ثروات طبيعية تذكر: لا بترول، ولا غاز، ولا حتى وفرة مياه. ومع ذلك، تحسن استثمار ما لديها، فتنتج وتصدّر. أمّا الدول العربية، فرغم ما تملكه من ثروات طبيعية هائلة؛ من بترول وغاز، ومعادن ومناجم، وأراض شاسعة صالحة للزراعة، وسواحل بحرية، ومياه جوفية، فإنها لا تزال تستورد الحبوب واللحوم والمواد الأساسية من دول أصغر منها بمراحل. يصل الأمر إلى حدّ المفارقة الصادمة؛ دولة بعدد سكان لا يتجاوز بضعة مليون كما أوكرانيا يمكن أن تساهم في إطعام مئات الملايين بالقمح وغيرها من المواد الغذائية الأساسية، 11 دولة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ أبرزها المغرب ومصر الأكبر مستورد للقمح في العالم ولبنان واليمن وليبيا والعراق وتونس والأردن، والجزائر التي تحتلّ المرتبة الرابعة عالميا في استيراد القمح رغم امتلاكها للأراضي الصالحة للزراعة. فضلا عن ماليزيا وإندونيسيا وبنغلاديش، المهددة بارتفاع أسعار الخبز. بينما تبقى هذه الدول عاجزة عن تلبية احتياجات المواطنين في المنتجات الغذائية الهامّة وأيّ نقص يمكن أن يؤدّي إلى تهديد الأمن الغذائي ولن يمنع حدوث أزمة إنسانية لشعوبها.


وهنا تتجلّى نقطة الخطر الحقيقية حين تغلق روسيا وأمريكا وكندا وفرنسا وأوكرانيا مصادر الإمداد مثلا، أو تتوقّف سلاسل التوريد، تجد هذه الشعوب نفسها أمام أزمة حقيقية؛ لا غذاء، ولا دواء، ولا قدرة على الإنتاج. وفي ظرف أيام قليلة، يتحوّل الاعتماد إلى كارثة إنسانية تفتك بمليار ونصف نسمة.


كانوا عندما يقال لهم: ازرعوا أرضكم، تظهر الأعذار الجاهزة؛ لا توجد بذور، ولا آبار محفورة، ولا سدود كافية، ولا آلات متوفرة. وهكذا، يكدّسون الأسباب التي صنعت بأيديهم، حتى أصبح العجز واقعا معاشا.

شبابهم موزّعون في شوارع المدن، بين اللهو واللعب، وتعاطي المخدرات والكحول، بينما تمتدّ الأراضي الزراعية الشاسعة خالية من الأيدي التي تحييها. هنا يتبدّى التناقض المدوّي والتباين الصادم؛ وفرة بشرية تهدر في غير موضعها، في مقابل آلاف الهكتارات من الأراضي تنتظر من يزرعها ويستثمرها. إذا جمع هؤلاء الشباب، وزجّ بهم نحو تلك الأراضي، وأجبروا على استصلاحها لفعلوا فكثرتهم وحدها كفيلة لو وُجّهت بإحداث تغيير حقيقي. غير أن الواقع يكشف عكس ذلك؛ لا قنوات مائية تفتح لاستغلال مياه الجبال والوديان، ولا تجهيزات تصنّع لمواجهة الأزمات، ولا بذور تخزّن تحسّبا للفترات الحرجة القادمة.


وفي ظلّ هذا العجز البنيوي، يصبح أي اضطراب خارجي تهديدا إنسانيا مباشرا. فإذا تعطّلت طرق الإمداد، أو أغلقت الممرّات الحيوية كمضيق هرمز، ستجد العائلات نفسها في مواجهة نقص حادّ في المواد الغذائية. وحتى محاولات الزراعة الفردية المحدودة، كمن يزرع بعض الخضروات في حديقته أو أمام بيته لن تكون كافية؛ فهي حلول مؤقتة لا تصمد طويلا، لأن الخضروات موسمية، ولا تؤمّن الحدّ الأدنى من الاستقرار الغذائي. أمّا الأساس الحقيقي للأمن الغذائي فهو الحبوب، 


،؛، إنّ هذه الأمّة ميّتة، انهيار إيمانيّ واضطراب فكريّ وتفسّخ أخلاقيّ وعجز اقتصاديّ وضعف عسكريّ. ،؛،


المصيبة الكبرى حين يصل الضعف إلى مؤسّسات الحماية نفسها. فإذا فقد الجيش رجولته بالشذوذ الممنهج، وهو الذي من المفترض أن يدافع عن الشعب، فماذا ينتظر من رجال استثمروا في أدبارهم؟ هل سيحمون نساءهم أو أطفالهم؟ هل سيحمون أرضا، أو يصونون مجتمعا، أو يدافعون عن مستقبل؟


ما مصير الصامتين المستسلمين؟ أولئك الذين قبلوا الواقع كما هو، واستثمروا في الشهوات، وفضّلوا السكوت على المواجهة، نهايتهم الموت جوعا ومرضا. 


فحين ترى النساء تتستّر على الرجال ويسود الخوف من الفضيحة أكثر من الخوف على المصير، فاعلموا أن بناتهم معتدي عليهن جنسيا، وأولادهم تحت تأثير المهلوسات يتناكحون فيما بينهم، ولكن يغطّون على ذلك. بيوت مغلقة على ما فيها، وأسرار توارى خلف الجدران، وكلّ طرف يظنّ أن ما يحدث عنده استثناء، بينما هو واقع يتكرّر في أماكن كثيرة. هذه تخشى كلام تلك، وتلك تخشى نظرة الأخرى، فيستمرّ الإخفاء، ويمسي الخلل أمرا مألوفا وعاديا، رغم أن الجميع يدرك في قرارة نفسه أن الكارثة أوسع بكثير وطالت غالبية العائلات.


وفي خضم هذا كلّه، تستمرّ الإشارات التحذيرية بلا جدوى، فلا تجد آذاناً صاغية. أمّة فشلت في الحفاظ على أخلاق شعوبها، وأهملت استثمار مواردها، لا في الزراعة ففلحت، ولا في الصناعة، ولا في بناء شعب قوي، ولا في مواجهة اختلالاتها الداخلية بجرأة، تبقى عرضة لكل أشكال الانهيار.

تعليقات