الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر
في حضرة العلم الحقيقي، لا يُقاس الأستاذ بعدد المحاضرات التي ألقاها، ولا بعدد السنوات التي قضاها فوق منصة التدريس، بل يُقاس بقدرته على أن يترك أثرًا لا يُمحى داخل عقول وقلوب طلابه، وهذا تحديدًا ما يفعله المستشار الدكتور يونس عبد العاطي داخل أروقة كلية الحقوق جامعة المنصورة، تلك القلعة العلمية العريقة التابعة لـ جامعة المنصورة، حيث لا يقتصر حضوره على كونه أستاذًا يشرح مادة المواريث في الشريعة الإسلامية، بل يتجاوز ذلك ليصبح ظاهرة تعليمية متكاملة، تُدرّس كيف يكون العلم رسالة، وكيف يتحول الفقه إلى حياة، وكيف تصبح القاعة الدراسية مساحة لإعادة تشكيل وعي كامل لجيل جديد من القانونيين.
منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها حديثه، يشعر الطالب أنه أمام عقل لا يُكرر، بل يُبدع، وأمام أسلوب لا يُلقّن، بل يُحرّك التفكير، فهو لا يقدّم المواريث باعتبارها مجرد أنصبة محفوظة وقواعد جامدة، بل يعيد تقديمها كمنظومة عدالة إلهية دقيقة، تحمل في تفاصيلها توازنًا مذهلًا بين الحقوق والواجبات، بين العاطفة والمنطق، بين الواقع والمبدأ، وهنا تحديدًا تكمن عبقريته التي جعلت من مادة يُخشى منها، مادة يُقبل عليها الطلاب بشغف نادر.
ولأن التميز لا يأتي من فراغ، فقد استطاع المستشار الدكتور يونس عبد العاطي أن يُعيد صياغة العلاقة بين الطالب والمادة العلمية، فبدلًا من أن يقف الطالب موقف المتلقي الصامت، يدفعه إلى أن يكون شريكًا في الفهم، مشاركًا في التحليل، حاضرًا بعقله لا بجسده فقط، فتتحول المحاضرة إلى حالة تفاعلية، تُطرح فيها الأسئلة بجرأة، وتُناقش فيها الفرضيات بعمق، ويُبنى فيها الفهم خطوة بخطوة، حتى يصل الطالب إلى مرحلة من النضج العلمي تجعله قادرًا على التعامل مع أعقد مسائل المواريث بثقة وثبات.
وإذا كان البعض يرى أن مادة المواريث تقوم على الحسابات الدقيقة، فإن هذا الأستاذ الفريد يرى فيها ما هو أبعد من الأرقام، يرى فيها فلسفة العدالة، ويرى فيها روح التشريع، ويرى فيها انعكاسًا مباشرًا لفكرة التوازن داخل المجتمع، ولذلك لا يكتفي بأن يُعلّم "كم يأخذ كل وارث"، بل يُعلّم "لماذا يأخذ"، ويكشف عن الحكمة الكامنة خلف كل نص، فيخرج الطالب من المحاضرة وهو لا يحمل إجابة فقط، بل يحمل فهمًا عميقًا يجعله قادرًا على الدفاع عن هذا العلم، والإيمان به، وتطبيقه بوعي حقيقي.
أما عن علاقته بطلابه، فهي واحدة من أبرز أسرار هذا النجاح اللافت، حيث تتجاوز حدود الرسمية الجامدة، دون أن تفقد هيبتها، فهو يُنصت قبل أن يُجيب، ويُوجّه دون أن يفرض، ويُقوّم دون أن يُحبط، فيخلق بيئة تعليمية يشعر فيها الطالب أنه مُقدّر، مسموع، ومهم، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على مستوى التفاعل داخل القاعة، حيث لا مكان للملل، ولا مساحة للغياب الذهني، بل حضور كامل، واهتمام صادق بكل تفصيلة تُقال.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في شخصية المستشار الدكتور يونس عبد العاطي هو ذلك الذكاء الهادئ، الذي لا يعتمد على الاستعراض، بل يظهر في عمق الطرح، ودقة التحليل، وسرعة الربط بين المسائل، وقدرته على تحويل أي سؤال، مهما كان بسيطًا، إلى مدخل لفكرة أكبر، ونقطة انطلاق لنقاش أعمق، فيشعر الطالب أنه أمام عقل موسوعي، قادر على احتواء كل الاحتمالات، والتعامل مع كل المستويات، دون أن يفقد تركيزه أو اتزانه.
ولا يمكن إغفال حضوره الإنساني، ذلك الحضور الذي يمنح القاعة روحًا خاصة، حيث يجمع بين الوقار الذي يفرض الاحترام، والبساطة التي تزيل الحواجز، فيشعر الطالب بالأمان الفكري، وبالحرية في التعبير، دون خوف من الخطأ، لأن الخطأ في حضرته ليس نهاية، بل بداية لفهم جديد، وهذه واحدة من أعظم صفات المعلم الحقيقي.
ومع مرور الوقت، يتحول تأثيره من مجرد نجاح أكاديمي إلى بصمة حقيقية في تكوين شخصية الطالب، حيث لا يخرج الطالب من تحت يده حافظًا لمسائل المواريث فقط، بل مفكرًا قانونيًا، قادرًا على التحليل، وعلى الربط، وعلى استيعاب النصوص في سياقها الصحيح، وهو ما يمثل جوهر العملية التعليمية التي يسعى إليها كل نظام أكاديمي ناجح.
إن الحديث عن المستشار الدكتور يونس عبد العاطي هو في حقيقته حديث عن نموذج يجب أن يُحتذى، ليس فقط داخل كلية الحقوق جامعة المنصورة، بل في كل مؤسسة تعليمية تسعى إلى التميز الحقيقي، لأنه أثبت أن الأستاذ لا يصنعه المنهج فقط، بل تصنعه رؤيته، وشغفه، وقدرته على أن يرى في كل طالب مشروع عقل يستحق أن يُبنى بعناية.
و، تبقى الحقيقة الأهم أن هناك أساتذة يمرون في حياة الطلاب مرورًا عابرًا، وهناك من يتركون أثرًا لا يُمحى، والمستشار الدكتور يونس عبد العاطي ينتمي بكل وضوح إلى الفئة الثانية، تلك الفئة التي لا تُدرّس العلم فقط، بل تُعيد تعريفه، ولا تُنهي المحاضرة عند باب القاعة، بل تفتح بها أبوابًا جديدة للفكر والحياة، وهنا فقط ندرك أننا أمام تجربة تعليمية استثنائية، تستحق أن تُروى، وأن تُكتب، وأن تُخلّد في
ذاكرة كل من مرّ بها.

تعليقات
إرسال تعليق