القائمة الرئيسية

الصفحات

خطوه تعزيز التعاون وتقارُب مِصري ليبي يعيد رسم خريطة التعاون الإقليمي



كتب احمد القطعاني 


ومن هنا يسبت الشعب المصري والليبي أننا علي قلب رجل واحد شعب واحد ومصير واحد في لحظه إقليميه شديدة التعقيد ، حيث تتداخل ملفات الطاقه مع حسابات الأمن القومي ، برزت خلال الساعات الماضيه ملامح حوار متسارع بين مصر وليبيا بشأن توريد الغاز بأنواعه إلى القاهره ، في خطوه تعكس تحوُّلًا لافتًا في مسار العلاقات الاقتصاديه بين البلدين .

هذا التحرك لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع ، فمصر التي تسعىٰ إلىٰ تأمين احتياجاتها من الطاقه عِبر تنويع مصادرها ، تُدرك جيدًا أن الجغرافيا تفرض واقعًا لا يمكن تجاهله ، حيث تُمَثِّل ليبيا أحد أقرب وأهم الخيارات الاستراتيجيه الممكنه ، سواء من حيث الموقع أو الإمكانات غير المستغله حتىٰ الآن .

وعلى الجانب الآخر ؛ تبدو ليبيا أمام فرصه حقيقيه لإعادة تفعيل دورها كمصدر مهم للطاقه في المنطقه ، خاصةَّ في ظل سعيِّها لفتح قنوات اقتصاديه مستقره تعزز من مواردها وتدعم مسار التعافي الداخلي ، الذي لا يزال يواجه تحديات سياسيه وهيكليه مُعقده .

لكن اللَّافت في هذا المشهد لم يكن فقط طبيعة التحركات الرسميه ، بل ما أفرزته الساعات الأخيره من تفاعل شعبي ليبي واسع يميل إلى الترحيب بهذه الخطوه ، وهو ما يعكس إدراكًا متزايدًا داخل الشارع الليبي لأهمية الانفتاح علىٰ مصر كشريك استراتيجي موثوق .

فقد عبَّر العديد من النشطاء والمواطنين الليبيين عبر منصات التواصل عن دعمهم لفكرة تصدير الغاز إلىٰ مصر ، معتبرين أن ذلك يمثل / تعزيزًا للاقتصاد الوطني وفتحًا لمصادر دخل جديده ودعمًا للاستقرار عبر شراكات إقليميه حقيقيه واستثمارًا في علاقات تاريخيه تتجاوز الخلافات السياسيه المؤقته .

كما تَضَمَّن هذا التفاعل الشعبي إشارات واضحه إلىٰ تقدير قطاع واسع من الليبيين للدور المصري خلال السنوات الماضيه ، خاصةَّ فيما يتعلق بمساندة الدوله الليبيه في حماية مقدراتها ، والتصدي لمخاطر الإرهاب ، والحفاظ على تماسك مؤسساتها في ظل ظروف شديدة التعقيد .

وقد استحضر كثيرون في هذا السياق المواقف الحاسمه والخطوط الحمراء التي أعلنتها مصر ، والتي اعتُبرت من وجهة نظرهم عامل توازن مهم ساهم في منع انزلاق ليبيا إلىٰ سيناريوهات أكثر خطوره ، ووقف محاولات اختراقها من قِبل بعض الأطراف ذات الطموحات التوسعيه أو النزعات ذات الطابع الاستعماري ، خاصةَّ في مرحلة ما بعد سقوط نظام معمر القذافي .

بل إن بعض الآراء ذهبت إلى أبعد من ذلك حيث رأت أن التعاون مع مصر يمكن أن يشكل مدخلًا لإعادة توحيد الرؤيه الاقتصاديه داخل ليبيا نفسها ، من خلال مشاريع عابره للانقسام السياسي القائم .

ورغم هذا الزَخَم الإيجابي ، تبقىٰ التحديات قائمه ، إذ لا يمكن تجاهل تعقيدات المشهد الليبي الداخلي ، حيث تتداخل اعتبارات السياده ، وتوزيع العوائد ، ومراكز النفوذ بين الشرق والغرب ، وهي عوامل قد تلقي بظلالها على سرعة تحويل هذه التفاهمات إلىٰ اتفاقات فعليه على الأرض .

إضافه إلى ذلك ؛ فإن ملف الطاقه الليبي يظل ساحه مفتوحه لتقاطعات إقليميه ودوليه ، ما يجعل أي تحرك فيه محسوبًا بدقه ، ويخضع لمعادلات تتجاوز حدود القرار الثنائي بين القاهره وطرابلس .

ومع ذلك فإن ما يحدث اليوم يمثل إشاره واضحه إلىٰ أن المنطقه بصدد إعادة تشكيل أولوياتها ، حيث لم تعد العلاقات تُبنىٰ فقط علىٰ الاعتبارات السياسيه التقليديه ، بل باتت المصالح الاقتصاديه ، وعلىٰ رأسها الطاقه ، هي المحرك الأبرز لإعادة رسم خريطة التحالفات .

إن التقارب المصري الليبي في هذا الملف ، إذا ما كُتب له الاستمرار ، قد لا يكون مجرد اتفاق لتوريد الغاز ، بل بدايه لمرحله جديده من التكامل الإقليمي ، تقوم علىٰ تبادل المصالح وبناء الاستقرار عبر الاقتصاد ، لا عبر الصراع .

وفي عالم تتغير موازينه بسرعه ، تبقىٰ مثل هذه التحركات مؤشرات علىٰ أن الدول التي تُحسن قراءة اللحظه ، هي وحدها القادره على صناعة مستقبلها .

تعليقات