القائمة الرئيسية

الصفحات


بقلم / محمـــد الدكـــروري 

من أنواع الزواج الذي حذر الشرع منها هو زواج الشغار، وهو نكاح البدل، وقد فسّر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، في حديث أبي هريرة رضي الله عنه إيضاحه وبيانه، وهو أن يزوج الرجل ابنته أو أخته على أن يزوجه الآخر ابنته أو أخته، ولم يقل وليس بينهما صداق، فدل هذا على أن تسمية الصداق أو عدمها لا أثر له في ذلك، وإنما مقتضى فساد هذا النكاح هو اشتراط المبادلة والاتفاق على ذلك بين الطرفين المسؤولين عن تزويج المرأتين، وغالبا يكون هذا الشرط سِريا لا يُعلن عنه، إنما المُعلن عنه هو رغبة كل طرف تزويج الطرف الآخر بمهر مستقل لكل من الزوجتين، برضا الأزواج، المراد تزويجهم على حد زعم ولي الزوجتين، والواقع عدم الرضا منهما أو من إحداهما، وقد يكتب في عقد كل منهما مبالغ متفاوتة للتضليل والتدليس وليست من الحقيقة في شيء، وفي ذلك فساد كبير، لأنه يفضي إلى إجبار النساء على نكاح من لا يرغبن فيه. 


إيثارا لمصلحة الأولياء وتحقيقا لمصالحهم الشخصية دون النظر في مصلحة النساء، وذلك منكر وظلم للنساء، وهو أيضا يُفضي إلى حرمان النساء من مهور أمثالهن كما هو الواقع بين الناس المتعاطين لهذا العقد المنكر، حيث جعلوه امرأة بامرأة، وفرجا بفرج، وكثيرا ما يفضي هذا العمل إلى النزاع بعد الزواج، وهذا من العقوبات العاجلة لمن خالف الشرع، والواقع الذي عاشه ويعيشه أولئك الأزواج، من الرجال والنساء واقع مؤلم، وحياة تعيسة، ومشاكل لا نهاية لها، وقد أدت إلى سفك دماء وإلى قطيعة أرحام، وإلى بغضاء وشحناء وحقد وعداوات متناهية بسبب الإقدام على نكاح الشغار الذي لم ينتبه ويتفكر ويمعن النظر في الحكمة من تحريمه كثير من المسلمين، ولم يفكروا في العواقب المؤلمة لكثير ممن أقدم عليه، فالحياة الزوجية عقدها يستمر مدى الحياة، ويجب التفكير فيها بكل أمانة وإخلاص، والإقدام على بصيرة وتغليب مصلحة الزوجين. 


وقد روى الإمام أحمد وأبو داود بإسناد صحيح عن عبد الله بن هرمز أن العباس بن عبد الله بن عباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وقد كانا جعلا صداقا، فكتب أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه إلى أمير المدينة مروان بن الحكم يأمره بالتفريق بينهم، وقال في كتابه "هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذه الحادثة التي وقعت في عهد أمير المؤمنين معاوية بن أبى سفيان رضي الله عنه، توضح معنى الشغار الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المتقدمة، وأن تسمية الصداق لا تصحح هذا النكاح ولا تخرجه عن كونه شغارا لأن العباس بن عبد الله وعبد الرحمن بن الحكم قد سميا صداقا، ولكن لم يلتفت معاوية رضي الله عنه، إلى هذه التسمية، بل أمر بالتفريق بين كل من الزوجين، وقال "هذا هو الشغار الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. 


ومعاوية رضي الله عنه أعلم باللغة العربية وبمعاني أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، من نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهم جميعا، وهذا الذي ينبغي التنبه إليه في مسألة الشغار الذي قد يخفى على كثير من المسلمين وضوح إِشكاله من حيث القصد والنية فيه، وكما أن زواج الشغار، وهو زواج البدل بشروط من غير مهر، وينبغي أن يلاحظ في المستقبل بأن لا يعقد نكاحا فيه مبادلة، سواء ذكر فيه مهرا أم لا، لقوة القول بفساده، لما فيه من فساد عظيم، لأنه يفضي إلى إجبار النساء على نكاح من لا يرغبن فيه، إيثارا لمصلحة الأولياء على مصلحة النساء، وهذا، كما لا يخفى أنه لا يجوز، لأنه يؤدي أيضا إلى حرمان النساء من مهور أمثالهن، كما هو الواقع بين غالب الناس المتعاطين لهذا الأمر، كما أنه يفضي إلى كثير من النزاع والخصومات بعد الزواج، وإن الذي ينبغي التنبه إليه في مسألة الشغار الذي قد يخفى على كثير من المسلمين. 


وضوح إشكاله من حيث القصد والنية فيه، ومن حيث الحكمة في تحريمه أيضا، والتي هي خافية أيضا على الغالبية العظمى، وإن من المسائل المنكرة في النكاح ما يفعله بعض الناس في إجبار إبنته أو أخته أو بنت أخيه أو من له ولاية عليها على الزواج ممن لا ترضى بنكاحه، وذلك منكر ظاهر وظلم للنساء، لا يجوز للأب ولا لغيره من الأولياء أن يفعله ويقدم عليه، لما فيه من الظلم الواضح للنساء، ومخالفة السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في النهي عن تزويج النساء إلا بإذنهن،

تعليقات