الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر
في لحظة تاريخية يتعرض فيها التعليم القانوني – بل والتعليم الجامعي عمومًا – لاختبار حقيقي بين الأصالة والتكرار، بين العمق والسطحية، وبين الرسالة والوظيفة، يبرز اسم الأستاذ الدكتور أحمد فاروق زاهر بوصفه ظاهرة تستحق الوقوف عندها طويلًا، لا باعتباره مجرد أستاذ في قانون العقوبات بكلية الحقوق جامعة المنصورة، بل باعتباره نموذجًا مركبًا تتقاطع فيه أبعاد متعددة: البعد العلمي الصارم، والبعد الفلسفي المتأمل، والبعد الإنساني القادر على احتواء الآخرين دون أن يذوب فيهم، والبعد التربوي الذي يُعيد صياغة العلاقة بين الأستاذ والطالب على أسس أكثر عمقًا واتزانًا. نحن هنا لا نتحدث عن نجاح تقليدي يمكن رصده بالأرقام أو الشهادات، بل عن حالة تُعيد تعريف مفهوم النجاح ذاته، وتطرحه من جديد في سياق أكثر إنسانية وامتدادًا.
إذا بدأنا من العلم، فإننا أمام عقل لا يتعامل مع قانون العقوبات بوصفه مجرد فرع قانوني محدود، بل كمرآة تعكس فلسفة المجتمع بكل تناقضاته، كحقل معرفي تتصارع فيه أفكار العدالة والسلطة، الردع والإصلاح، الحرية والمسؤولية. هذا الوعي بطبيعة القانون الجنائي يجعله لا يكتفي بعرض القواعد أو شرح النصوص، بل ينفذ إلى ما وراءها، إلى الأسئلة التي أسست لها، إلى الظروف التي أنتجتها، إلى النتائج التي قد تترتب عليها في الواقع العملي. ولذلك فإن أبحاثه لا يمكن قراءتها قراءة سطحية، لأنها ليست مجرد شروح أو تعليقات، بل محاولات جادة لإعادة التفكير في بنية القانون الجنائي ذاته، في مدى قدرته على تحقيق العدالة، وفي حدوده التي قد تجعله أحيانًا أداة للضبط أكثر منه أداة للإنصاف.
وفي هذا السياق، يمكن ملاحظة أن منهجه البحثي يقوم على ثلاث ركائز أساسية: التفكيك، ثم النقد، ثم إعادة التركيب؛ فهو يبدأ بتفكيك النص القانوني إلى عناصره الأولية، كاشفًا عن افتراضاته الضمنية، ثم ينتقل إلى نقد هذه الافتراضات في ضوء الواقع الاجتماعي والتطورات المعاصرة، قبل أن يعيد تركيبها في إطار أكثر اتساعًا يسمح برؤية أعمق وأكثر توازنًا. هذا المنهج لا يمنح أبحاثه فقط طابعًا علميًا رصينًا، بل يضفي عليها بعدًا فلسفيًا يجعلها قادرة على تجاوز حدود اللحظة الراهنة، لتصبح جزءًا من نقاش أوسع حول طبيعة القانون ووظيفته في المجتمع.
لكن العلم وحده لا يكفي لصناعة هذا التأثير الممتد، فكم من علماء امتلكوا المعرفة ولم يمتلكوا القدرة على نقلها أو توظيفها في سياق إنساني حقيقي. وهنا يظهر البعد الآخر في شخصية الدكتور أحمد فاروق زاهر، وهو البعد التربوي الذي يتجلى في حضوره داخل القاعة الدراسية، حيث تتحول المحاضرة من فعل إلقاء إلى عملية تفاعل، ومن مسار أحادي الاتجاه إلى دائرة مفتوحة من الحوار. لا يقدّم المعلومة بوصفها حقيقة نهائية، بل يطرحها كإشكالية قابلة للنقاش، وكأن الطالب مدعو دائمًا لأن يكون طرفًا في صياغة الفهم، لا مجرد متلقٍ له.
هذا الأسلوب في التدريس يعكس إيمانًا عميقًا بأن التعليم الحقيقي لا يقوم على الحفظ، بل على الفهم، ولا على التلقي، بل على المشاركة، ولا على الإجابة، بل على السؤال. ولذلك فإن الطالب الذي يمر بتجربة التعلم معه لا يخرج فقط بمادة علمية، بل بطريقة تفكير مختلفة، بقدرة أعلى على التحليل، وبحس نقدي يجعله أكثر وعيًا بالنصوص التي يتعامل معها، وأكثر قدرة على ربطها بالواقع الذي يعيش فيه.
أما عن حضوره الشخصي، فهو عنصر لا يقل أهمية عن علمه ومنهجه، بل قد يكون هو الجسر الذي يعبر من خلاله هذا العلم إلى الآخرين. فالتواضع الذي يميّزه ليس مجرد سلوك اجتماعي لطيف، بل هو موقف فكري وأخلاقي يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة العلم، باعتباره رحلة مستمرة لا يعرف صاحبها نهاية حقيقية. هذا التواضع لا ينتقص من هيبته، بل يعززها، لأنه قائم على الثقة بالنفس لا على التعالي، وعلى إدراك أن القيمة الحقيقية للأستاذ لا تكمن في المسافة التي يفرضها بينه وبين طلابه، بل في قدرته على التأثير فيهم دون أن يلغي شخصياتهم.
ومن زاوية تحليلية أعمق، يمكن القول إن ما يحققه من محبة لدى الطلاب ليس نتيجة لمحاولة استرضائهم أو التخفيف عنهم، بل نتيجة لاحترامه لعقولهم، وتعاملِه معهم بوصفهم شركاء في العملية التعليمية. فالطالب بطبيعته ينجذب إلى من يمنحه قيمة، ومن يشعره بأن وجوده داخل القاعة ليس هامشيًا، بل ضروريًا. وهذا بالضبط ما يفعله، حيث يخلق بيئة تعليمية يشعر فيها الطالب أنه مرئي ومسموع، وأن رأيه – حتى لو كان بسيطًا – له مكان داخل هذا الفضاء.
وعندما ننتقل إلى مفهوم النجاح في تجربته، نجد أنفسنا مضطرين إلى إعادة تعريف هذا المفهوم بعيدًا عن المقاييس التقليدية، لأن نجاحه لا يمكن حصره في عدد الأبحاث أو الترقيات أو المناصب، بل يمتد إلى ما هو أعمق: إلى الأثر الذي يتركه في طلابه، في الطريقة التي يفكرون بها، في قدرتهم على مواجهة النصوص القانونية بعقل ناقد لا بعين مقلدة. هذا النوع من النجاح هو الأكثر صعوبة، لأنه غير مرئي بشكل مباشر، لكنه في الوقت ذاته الأكثر استدامة، لأنه يتجسد في أجيال كاملة تحمل هذا الأثر وتنقله بدورها إلى غيرها.
ومن منظور فلسفي، يمكن قراءة هذه التجربة بوصفها إجابة عملية عن سؤال طالما شغل الفكر التربوي: هل الأستاذ ناقل للمعرفة أم صانع للعقول؟ في حالة الدكتور أحمد فاروق زاهر، يبدو أنه يتجاوز هذا التقسيم، ليصبح الاثنان معًا، لكنه يمنح الأولوية دائمًا لصناعة العقل، لأن المعرفة بدون عقل قادر على فهمها وتحليلها تظل عبئًا لا قيمة له.
كما أن تجربته تمثل في جوهرها نقدًا صامتًا لمنظومة تعليمية تعاني في كثير من الأحيان من الجمود، حيث يُعاد إنتاج نفس الأنماط والأساليب دون محاولة حقيقية للتجديد. وجود نموذج مختلف داخل هذه المنظومة يثبت أن التغيير ممكن، ليس عبر الشعارات، بل عبر الممارسة اليومية، عبر طريقة الشرح، عبر نوعية الأسئلة التي تُطرح، عبر العلاقة التي تُبنى بين الأستاذ والطالب.
ولا يمكن إغفال أن هذا الحضور المركب – العلمي والإنساني والتربوي – يخلق نوعًا من الاتساق الداخلي في شخصيته، حيث لا يوجد انفصال بين ما يقوله وما يفعله، بين ما يدرّسه وما يمارسه، وهو ما يمنحه مصداقية عالية، لأن الطلاب بطبيعتهم قادرون على اكتشاف هذا الاتساق أو غيابه. وحين يجدون أمامهم نموذجًا متسقًا، فإنهم لا يتعلمون منه فقط، بل يثقون فيه، وهذه الثقة هي أساس أي تأثير حقيقي.
الأستاذ الدكتور أحمد فاروق زاهر لا يمثل فقط اسمًا مميزًا في مجال قانون العقوبات، بل يمثل فكرة متكاملة عن الأستاذ الجامعي كما ينبغي أن يكون: عالمًا دون غرور، ومربيًا دون تسلط، ومفكرًا دون انغلاق، وإنسانًا دون تصنع. وربما تكمن القيمة الحقيقية لهذه التجربة في أنها تفتح أفقًا مختلفًا للتفكير في التعليم، وفي دور الأستاذ، وفي العلاقة بين العلم والإنسان، أفقًا يؤكد أن العمق لا يتعارض مع البساطة، وأن الهيبة لا تتناقض مع التواضع، وأن النجاح الحقيقي لا يُقاس بما تحققه لنفسك، بل بما تتركه في الآخرين من أثر يبقى طويلًا بعد أن تنتهي كل الكلمات.
في سياق أكاديمي كثيرًا ما تُختزل فيه العملية التعليمية إلى مجرد نقل للمعلومات، يبرز نموذج الأستاذ الدكتور أحمد فاروق زاهر بوصفه حالة استثنائية تعيد الاعتبار للمعنى الحقيقي للتعليم، لا باعتباره تلقينًا للنصوص، بل باعتباره فعلًا إنسانيًا مركبًا يُعيد تشكيل العقل ويُحرّك الوعي. نحن هنا لا نتحدث عن أستاذ تقليدي في قانون العقوبات بكلية الحقوق جامعة المنصورة، بل عن تجربة فكرية متكاملة تتجاوز حدود القاعة الدراسية، وتطرح تصورًا مختلفًا لطبيعة العلاقة بين القانون والإنسان، وبين المعرفة وممارستها.
إذا كان القانون الجنائي في صورته التقليدية يُقدَّم كمنظومة صارمة من القواعد التي تُحدد ما هو مجرّم وما هو مباح، فإن الدكتور أحمد فاروق زاهر يتعامل معه بوصفه كيانًا حيًا، يتنفس داخل المجتمع، ويتأثر بتحولاته، ويعكس تناقضاته. هذا الفهم العميق يجعله لا يقف عند حدود النص، بل يتجاوزه إلى ما وراءه، إلى الفلسفة التي أنتجته، إلى الظروف التي صاغته، إلى النتائج التي قد تترتب عليه في الواقع. ومن هنا، تتحول المحاضرة من شرح قانوني إلى رحلة فكرية، ومن عرض للمعلومة إلى تفكيك لها وإعادة تركيبها في سياق أوسع.
في قلب هذه التجربة، يظهر التحول الجوهري الذي يُميز منهجه، وهو الانتقال من “سلطة النص” إلى “سلطة الفهم”. فبدلًا من أن يكون النص هو النهاية التي يتوقف عندها التفكير، يصبح نقطة البداية التي ينطلق منها السؤال. هذا التحول لا يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة يُعيد تشكيل عقل الطالب بالكامل، لأنه ينقله من موقع التلقي إلى موقع المشاركة، ومن البحث عن الإجابة الجاهزة إلى السعي وراء السؤال العميق. وهنا تحديدًا تتجلى قيمة الأستاذ الحقيقي، الذي لا يكتفي بأن يُعلّم طلابه ماذا يقول القانون، بل يدفعهم لأن يسألوا: لماذا قال ذلك؟ وهل يمكن أن يقول غيره؟ وما الذي يحدث لو تغيّرت هذه القاعدة أو تلك؟
هذا النهج لا ينعكس فقط في أسلوبه داخل القاعة، بل يمتد بوضوح إلى إنتاجه العلمي، حيث تتسم أبحاثه بعمق تحليلي يتجاوز الشرح التقليدي، لينخرط في مساءلة النص القانوني ذاته، وكشف افتراضاته الضمنية، ونقد حدوده في ضوء الواقع الاجتماعي. فهو لا يتعامل مع القانون الجنائي كمنظومة مغلقة، بل كنظام مفتوح يتأثر بالسياق، ويجب أن يُقرأ دائمًا في ضوء هذا السياق. ومن هنا، تكتسب أبحاثه طابعًا فلسفيًا واضحًا، يجعلها قادرة على الإسهام في تطوير الفكر القانوني، لا مجرد إعادة إنتاجه.
وفي هذا الإطار، يمكن القول إن منهجه البحثي يقوم على ثلاث حركات متتابعة: التفكيك، حيث يتم تحليل النص إلى عناصره الأولية؛ ثم النقد، حيث تُفحص هذه العناصر في ضوء الواقع والتجربة؛ ثم إعادة التركيب، حيث يُعاد بناء الفكرة في صورة أكثر اتساعًا ومرونة. هذه الحركات الثلاث تمنح أبحاثه ديناميكية خاصة، تجعلها أقرب إلى عملية تفكير مستمرة، لا إلى نتائج نهائية مغلقة.
لكن ما يمنح هذه التجربة قوتها الحقيقية ليس فقط عمقها العلمي، بل قدرتها على الوصول إلى الطلاب والتأثير فيهم. وهنا يظهر البعد الإنساني في شخصية الدكتور أحمد فاروق زاهر، حيث يتجلى تواضعه في طريقة تعامله، وفي قربه من طلابه دون أن يفقد هيبته. هذا التوازن الدقيق بين القرب والهيبة يخلق بيئة تعليمية قائمة على الاحترام المتبادل، حيث يشعر الطالب أنه شريك في العملية التعليمية، لا مجرد متلقٍ لها.
ومن اللافت أن هذا التواضع لا يأتي على حساب الصرامة العلمية، بل يتكامل معها، في نموذج نادر يجمع بين الإنسانية والانضباط. فهو لا يُسهّل الطريق بقدر ما يُرشد إليه، ولا يُقدم الإجابات بقدر ما يفتح أبواب الأسئلة، وهو ما يجعل محبته لدى الطلاب نابعة من تقدير حقيقي، لا من مجاملة عابرة.
أما عن حضوره داخل القاعة، فهو حضور يتجاوز الشكل إلى الجوهر، حيث تتحول المحاضرة إلى مساحة حوار حي، تتقاطع فيها الأفكار، وتُختبر فيها الفروض، ويُدفع فيها الطالب إلى التفكير بصوت عالٍ. هذا النوع من الحضور لا يعتمد على الإلقاء بقدر ما يعتمد على التفاعل، وعلى القدرة على قراءة اللحظة التعليمية والتعامل معها بمرونة وذكاء. وهنا يتجلى نوع خاص من الذكاء، يمكن تسميته بالذكاء التربوي، وهو القدرة على توصيل الفكرة بأبسط صورة ممكنة دون الإخلال بعمقها.
ومن زاوية نقدية، يمكن اعتبار هذه التجربة نموذجًا لمقاومة صامتة لنمط تعليمي سائد يقوم على الحفظ والاسترجاع، حيث يُختزل النجاح في القدرة على اجتياز الامتحان، لا في القدرة على الفهم. وجود نموذج مختلف داخل هذه المنظومة يثبت أن التغيير ممكن، وأن التعليم يمكن أن يكون تجربة حقيقية تُشكّل الوعي، لا مجرد مرحلة عابرة تُطوى بانتهاء الدراسة.
وعندما ننتقل إلى مفهوم النجاح في هذه التجربة، نجد أنفسنا أمام تعريف مختلف تمامًا، حيث لا يُقاس النجاح بعدد الأبحاث أو المناصب، بل بالأثر الذي يُترك في الآخرين. هذا الأثر يتجلى في طريقة تفكير الطلاب، في قدرتهم على التحليل، في انتقالهم من الحفظ إلى الفهم، ومن التلقي إلى الإنتاج. وهو نجاح صامت، لكنه عميق، لأنه يمتد عبر الزمن، ويظهر في أجيال تحمل هذا الأثر وتنقله بدورها إلى غيرها.
وفي النهاية، يمكن القول إن الدكتور أحمد فاروق زاهر لا يمثل فقط أستاذًا متميزًا في القانون الجنائي، بل يمثل رؤية متكاملة لما يمكن أن يكون عليه التعليم الجامعي حين يتحرر من قيوده التقليدية، وحين يُعاد ربطه بجوهره الإنساني. إنه نموذج يُثبت أن الجمع بين العمق والبساطة ممكن، وأن الهيبة لا تتعارض مع التواضع، وأن التأثير الحقيقي لا يُقاس بما يُقال داخل القاعة فقط، بل بما يبقى خارجها من أثر في العقول والنفوس.
بهذا المعنى، يتحول الأستاذ من ناقل للمعرفة إلى صانع للوعي، ومن شارح للنصوص إلى مُحرّك للأسئلة، ومن وظيفة إلى رسالة، وهذه هي القيمة الأعمق لتجربة تستحق أن تُقرأ لا مرة واحدة، بل مرات، لأن كل قراءة تكشف طبقة جديدة من هذا النموذج المركب الذي يُعيد تعريف ما يعنيه أن تكون أستاذًا في زمن يحتاج فيه التعليم إلى من يُعيد اكتشافه.

تعليقات
إرسال تعليق