بقلم / محمد مصطفى كامل .
كيف تحوّلت اليمن من مركز قوة إلى ساحة صراع دائم؟
نحن لا نسير في هذا السرد على خطٍ مستقيم…
ولا نؤمن أن التاريخ يُفهم إذا قُرئ من أوله إلى آخره فقط.
في سلسلة التاريخ من وراء الستار،
نقفز عبر الزمن… نتقدم قرونًا، ثم نعود فجأة إلى البدايات،
نقارن بين لحظةٍ كانت فيها اليمن مركز العالم،
وأخرى أصبحت فيها ساحةً يتنازعها الجميع.
قد نبدأ من النهاية…
حين أصبحت اليمن عنوانًا لصراع لا يهدأ، ثم نعود لنفهم كيف كُتبت تلك النهاية منذ قرون.
فما نراه اليوم ليس حدثًا منفصلًا،
بل نتيجة خيوطٍ قديمة تشابكت عبر الزمن… حتى وصلت إلى هنا.
وهنا تبدأ الحكاية—
ليس من لحظة الضعف،
بل من زمنٍ كانت فيه اليمن قوة لا يمكن تجاهلها.
لم تكن اليمن يومًا هامشًا كما يُتصور الآن،
بل كانت قلبًا نابضًا يربط الشرق بالغرب، ومفتاحًا لطرق التجارة، وبوابةً لا تُفتح إلا لمن يملك النفوذ.
لكن التحول لم يحدث فجأة…
بل بدأ حين فقدت اليمن ما كان يحميها فعلًا: وحدتها.
ومن تلك اللحظة، لم تعد الأزمات تمر… بل تتراكم،
ولا تنتهي… بل تُورَّث.
ومن هنا نفهم:
كيف تحوّلت اليمن من مركز قوة… إلى ساحة صراع دائم.
هناك أماكن في التاريخ لا تموت… بل تتغير أدوارها.
واليمن واحدة من تلك الأماكن.
لم تكن يومًا هامشًا كما يُصوَّر اليوم،
بل كانت قلبًا نابضًا يربط الشرق بالغرب، ومفتاحًا لطريق التجارة، وبوابةً لا يمكن تجاوزها دون إذن.
لكن المأساة لاتبدأ حين تضعف الدول…
بل تبدأ حين تفقد قدرتها على حماية أهم ما تملك: وحدتها.
اليمن لم تُهزم في معركة واحدة،
بل دخلت في سلسلة طويلة من الانقسامات، كل انقسام كان يفتح بابًا جديدًا لصراعٍ أكبر.
وهنا تبدأ الحكاية…
ليس كيف ضعفت اليمن، بل كيف أصبحت هدفًا دائمًا.
من القوة إلى الضعف .
بعد سقوط مملكة حمير، لم تعد اليمن كيانًا موحدًا .
تعاقبت عليها قوى مختلفة: الفرس، ثم دخلت في ظل الدولة الإسلامية، لتستعيد شيئًا من الاستقرار.
لكن هذا الاستقرار لم يكن دائمًا…
فمع مرور الزمن، بدأت اليمن تنقسم إلى دويلات وسلطنات، كل منها يسعى للسيطرة، دون القدرة على فرض هيمنة كاملة.
الجغرافيا… نعمة تحوّلت إلى لعنة
اليمن تملك واحدًا من أهم المواقع في العالم:
تتحكم في مدخل البحر الأحمر عبر باب المندب.
هذا الموقع جعلها مركزًا للتجارة قديمًا
وممرًا حيويًا للقوى الكبرى حديثًا
لكن نفس هذا الموقع جعلها ساحة مفتوحة لكل من يريد السيطرة على خطوط التجارة العالمية.
الصراع الداخلي: الجذر الحقيقي للأزمة
لم يكن التدخل الخارجي هو البداية… بل النتيجة.
صراعات قبلية ممتدة
تنافس على السلطة بين مراكز نفوذ متعددة
ضعف الدولة المركزية في فترات طويلة ، كل ذلك خلق فراغًا ، والتاريخ لا يعترف بالفراغ.
حين يدخل الخارج لا يخرج بسهولة
بمجرد أن ضعفت اليمن داخليًا، أصبحت مغرية للتدخل:
العثمانيون دخلوا للحفاظ على نفوذهم في البحر الأحمر
البريطانيون سيطروا على عدن لحماية طريق الهند
لاحقًا، أصبحت اليمن ساحة صراع إقليمي ودولي .
كل قوة تدخلت، لم تكن تبحث عن اليمن بل عن موقعها.
الدولة الحديثة… ومحاولة لم تكتمل
في القرن العشرين، ظهرت محاولات لبناء دولة يمنية حديثة، لكنهااصطدمت بإرث ثقيل:
انقسامات تاريخية بين الشمال والجنوب .
تدخلات خارجية مستمرة
صراعات على الهوية والسلطة
فظلت الدولة قائمة ، لكن الاستقرار غائب.
لماذا أصبحت اليمن ساحة صراع دائم؟
لأنها جمعت بين ثلاثة عوامل قاتلة:
موقع استراتيجي لا يمكن تجاهله
انقسام داخلي مزمن
و تدخل خارجي مستمر
وهذا المزيج كفيل بتحويل أي دولة من قوة إلى ساحة.
اليمن ليست مجرد دولة تعاني…
بل نموذج يتكرر في التاريخ، حين تجتمع الأهمية مع الانقسام.
القصة لم تبدأ اليوم…
ولن تنتهي قريبًا.
لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها:
أن أخطر ما يهدد الدول ليس أعداءها بل لحظات ضعفها من الداخل.
وفي سلسلة التاريخ من وراء الستار…
لن نتوقف عند اليمن فقط،
بل سنفتح ملفًا أشد خطورة:
هل تُصنع الفوضى فعلًا… أم تُستغل فقط؟
لأن ما نراه اليوم قد لا يكون إلا تكرارًا لقصة قديمة، كُتبت أكثر من مرة بأسماء مختلفة.
ربما نظن أننا وصلنا إلى نهايةالحكاية
لكن الحقيقة أن ما نراه الآن، قد يكون مجرد لقطة في منتصفها.
لأننا إذا عدنا إلى الوراء قليلًا،
سنجد أن نفس المشهد تكرر أكثر من مرة .
قوة تتشكل ثم انقسام يتسلل، ثم تدخل يأتي من بعيد ،فتتحول الأرض من مركز قرار ، إلى ساحة صراع.
وكأن الزمن في اليمن لا يسير للأمام فقط،
بل يدور في دائرة مغلقة،
تعيد إنتاج نفس النهايات… كل مرة بشكل مختلف.
لهذا، لا يمكن فهم ما يحدث اليوم،
دون أن نعود… لا لنقرأ البداية فقط،
بل لنفهم كيف ظلت البداية تُعاد… حتى أصبحت واقعًا.
اليمن لم تتحول فجأة،
بل كُتبت قصتها على مراحل،
كل مرحلة كانت تبدو منفصلة… لكنها في الحقيقة امتداد لما قبلها.
وهنا تتكشف الحقيقة الأعمق:
أن التاريخ لا يسقط مرة واحدة…
بل يسقط حين لا نتعلم من سقوطه الأول.
وفي سلسلة التاريخ من وراء الستار…
لن نغادر هذا الخط الزمني الملتف،
بل سنعود مرة أخرى إلى لحظة مختلفة… في زمنٍ آخر،لنكتشف
هل كانت الفوضى قدرًا محتومًا…
أم قرارًا صُنع في لحظةٍ ما… وما زال أثره مستمرًا حتى اليوم؟

تعليقات
إرسال تعليق