بقلم: الأديب المفكر
د كامل عبد القوى النحاس
الاستهلال:
عن حربٍ سرقت العمر ولم تمنح النصر
لم تكن تلك السنوات الثمان مجرد صراع حدودي على ذرات رمل أو مجرى ماء في شط العرب،
بل كانت زلزالاً عاتياً أُريد له أن يضرب أركان المنطقة حتى تتصدع جدرانها.
كانت واحدة من أعقد مسرحيات الاستنزاف التي شهدها القرن العشرون؛ حيث لم تكن الغاية حسم المعركة فوق التلال، بل حسم مستقبل جيلٍ بأكمله تحت التراب. ففي غرف القرار المظلمة، لم يكن السؤال يوماً:
من سينتصر؟
بل كان المكر يهمس في أذن التاريخ:
كيف نجعل الجميع يغرق في لجة القتال لأطول وقت ممكن، حتى يتآكل الصدأ في أسلحتهم وفي أرواحهم على حد سواء؟
الخلفية:
حين يرتجف الإقليم تحت وطأة التغيير
في عام 1979، لم تكن الثورة في إيران حدثاً عابراً،
بل كانت صرخةً هزت التوازنات الراسخة.
سقط الحليف الاستراتيجي للغرب، وبرز خطابٌ ثوري لا يعترف بالحدود المرسومة، فدب الذعر في أوصال المنطقة.
لم تعد القضية تتعلق بدولة جارة، بل بما قد تؤول إليه الأمور إن تُركت تلك القوة لتنمو خارج حدود الاحتواء.
وهنا، بدأ الفخ يُنصب بعناية، ليتحول القلق إلى وقودٍ لنار لا تبقي ولا تذر.
الخليج: الخوف الذي استحال تمويلاً
لم تنظر دول الخليج إلى تلك الحرب من مقاعد المتفرجين، بل رأت فيها إعصاراً يهدد أمنها وعروشها وشريان نفطها.
كان الخوف متعدد الأبعاد، يطارد الاستقرار في كل زاوية.
ومن رحم هذا القلق، وُلد الاندفاع نحو الدعم المطلق للعراق؛ فتدفقت الأموال والمنح والتسهيلات اللوجستية، ليس حباً في الحرب، بل سعياً لاحتواء خطرٍ رُسمت ملامحه في الأفق كشيطانٍ مريد.
لكن المأساة تكمن في أن هذا الدعم كان يغذي الدوامة التي ستبتلع الجميع لاحقاً.
شبكات السلاح: حين يغدو الموت تجارة رابحة
تحولت الجبهات إلى سوق مفتوحة لنخاسة السلاح، حيث تداخلت الخيوط في شبكة معقدة لا تعرف الأخلاق.
واشنطن تمنح الأسرار الاستخباراتية،
وموسكو تشحن الفولاذ، وأوروبا تقدم تقنيات الموت،
والكل يراقب الضحايا وهم يتساقطون.
وتجلت ذروة السريالية في فضيحة إيران كونترا؛
تلك اللحظة التي كشفت وجه السياسة القبيح، حيث تُباع الأسلحة سراً لمن يُسمى عدواً علناً،
لتُستخدَم أموالها في تمويل حروب أخرى خلف البحار.
إنها إدارة الصراع بعقلية التاجر الذي يبيع الرصاص للطرفين، ويشترط ألا يتوقف إطلاق النار.
الذروة: فلسفة توازن الضعف
لقد بلغت المأساة ذروتها حين تبلورت تلك القاعدة الذهبية للمؤامرة:
توازن الضعف بدل توازن القوة.
كان المخطط ألا يُسمح للعراق بالوثوب نحو النصر، وألا تُترك إيران لتحسم الموقف؛ بل يُدفع الطرفان دفعاً نحو استنزافٍ متبادل لا ينتهي.
تأمل هذا المثال:
تخيل عدّاءَين في سباقٍ طويل، كلما اقترب أحدهما من خط النهاية، قام المنظمون بمد المسافة أكثر، ووضعوا العثرات في طريقه ليعود إلى نقطة التعب، ليس ليفوز الأفضل، بل ليسقط الاثنان إعياءً في منتصف الطريق، في حين يظل المتفرجون في مأمنٍ، يراهنون على جثث الساقطين.
وفي غمرة هذا النزيف، برز الرابح الهادئ في تل أبيب؛ حيث تلاشت التهديدات الإقليمية، وانشغلت القوى الكبرى ببعضها، وغاب الحديث عن أي مواجهة حقيقية، لتصبح المنطقة ساحة خالية من الأبطال.
الخاتمة: رسالة من قلب الحطام
مليون قتيل، وملايين المشوهين والنازحين، واقتصادات محطمة، وديون تنوء بها الجبال.. تلك لم تكن مجرد فاتورة حرب، بل كانت ثمن التخلي عن الرؤية الاستراتيجية لصالح ردود الفعل الخائفة.
لقد تعلمنا من هذا الدرس القاسي أن الخوف حين يُدار بلا بصيرة، يتحول إلى فخٍ يحطم السيادة ويفتح الباب لتدخلاتٍ تجعل من الأمن بضاعةً مستوردة، ومن القرار الوطني رهينة في يد الخارج.
تمهيد للمقال القادم:
من الحرب إلى القواعد
حين وضعت الحرب أوزارها، لم تنتهِ الفصول، بل بدأت مرحلة جديدة؛ مرحلة القواعد العسكرية والوجود الأجنبي الدائم.
في المقال القادم، سنفتح ملف فاتورة الحماية.. القواعد الأجنبية ومنصات الاستنزاف السيادي، لنكشف كيف تحولت الحماية إلى تبعية، وكيف أصبح الأمن يُشترى ولا يُصنع.
الخلاصة:
لم تكن حرب الثمان سنوات صراعاً بين دولتين، بل كانت هندسةً جديدة للشرق الأوسط؛ فحين يُدار الصراع من بعيد، تتحول الأوطان إلى أدوات، والجبهات إلى ثقوب سوداء تبتلع حاضر الأمم ومستقبلها.

تعليقات
إرسال تعليق