القائمة الرئيسية

الصفحات

رمزية بلعام ولهاث الأعرابي على النفوذ



الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني 


قراءة نقدية تحليلية


الكل يعلم قصة بلعام بن باعوراء التي تخرج من بطون التفاسير كلما اشتدّ غبار عاصفة السياسة.


رجل امتلك معرفة واسعة، وتردّد اسمه في سياق العلم بالاسم الأعظم، حتى ارتبط حضوره برؤية عرش الرحمن وهو في مكانه. المعرفة كانت رأس ماله، والمكانة الدينية كانت جواز عبوره إلى عقول الناس.


ثم جاءت لحظة الامتحان. هنا يبدأ الاشتباك بين الرسالة والمصلحة، بين الثبات على الموقف والانخراط في لعبة القدر. اختار بلعام الاصطفاف في صفّ العدو خصم موسى النبي وجند الله، فشكّل ذلك تحوّلا من موقع الهداية إلى موقع التبرير، ومن منبر البيان إلى منصة الغطاء الديني.


ألا يوقظ هذا المشهد في ذاكرتكم الفعل ذاته والذي يتشكّل اليوم أمام أعينكم؟ نعم هو ذاك..


في السياسة المعاصرة تتكرّر البنية ذاتها. طبقة واسعة من المتصدّرين للمشهد الديني تملك أدوات الخطاب، تحفظ تفاصيل الدين، وتجيد سرد النصوص، وتحسن الحديث عن العقيدة والولاء والبراء حين تقتضي الحاجة. غير أنّ مواقعها في لحظة القرار تكشف انحيازا مختلفا. الخطاب جسرا تعبر فوقه القرارات السياسية، وتغدو المنابر أدوات تعبئة.


الأعراب تعلم كل شيء عن دين الله، لتكشف معادلة دقيقة، المعرفة الدينية تمنح الشرعية، والسلطة تمنح الامتياز، والتحالف بينهما يبرّر التموضع إلى جانب عدو الله وعدوهم، فخانوا واشتروا بقرآنهم ورسولهم ثمنا قليلا. باعو الله ومحمد وآثروا دنياهم. 


 في هذا السياق يستدعى القرآن فقط في المناسبات، ويصبح محمد الرسول مرجعية عاطفية تستثمر في الحشد، بينما القرار السياسي يطبّق وفق خرائط النفوذ والاقتصاد والتحالفات الدولية. 


بلعام من الناحية السياسية يمثّل لحظة انتقال الأعراب من موقع الشاهد على الحاكم إلى موقع الشاهد للحاكم، ليخدم الاستقرار السياسي ولو على حساب دين الله وسنّة رسوله.


كان "بلعام بن باعوراء" من علماء كنعان، المعروف تواجدهم حاليا بالوطن العربي والشرق الأدنى قديما، مصر والعراق والشام وفلسطين والأردن. فأتاه الله آياته، وعلم الكتب المنزلة على الرسل قبله وفي زمانه، كان مجاب الدعوة، يعرف اسم الله الأعظم، فكفر به ونبذه وراء ظهره، فلحقه الشيطان وصار قرينا له وكان من الغاوين: واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه "فمثله كمثل الكلب" إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. 


فلمّا علم قومه بقدوم موسى وبني إسرائيل، خافوا على أنفسهم وأرضهم، فجاؤوا إلى بلعام وقالوا له:


أنت رجل مستجاب الدعوة، فادع الله عليهم. فلما بدأ بلعام يدعو، لم يستطع أن يدعو على موسى وقومه،


 فعلم أن علمه قد نزع منه، وأنه خسر الدنيا والآخرة، ولم يبق له إلا المكر والحيلة. ثم قال لهم: سأدلّكم على حيلة إن فعلتموها أفلحتم: زيّنوا نساءكم، ثم أرسلوهن وأمروهن ألا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها؛ فإن زنى رجل واحد منهم، كفيتموهم.


ففعلوا ما أشار به، فوقع رجل من بني إسرائيل في الفاحشة، فأرسل الله عليهم الطاعون عقوبة لهم، فهلك منهم سبعون ألفا في ساعة واحدة.


• المقارنة بين بلعام بن باعوراء والأعراب تخرج من الإطار التاريخي الضيّق إلى قراءة بنيوية لنمط يتكرّر عبر الأزمنة. فالقضية هنا تتعلّق بطبيعة العلاقة بين العلم والموقف، بين النصّ والاصطفاف.


بلعام أُتاه الله من آياته، فحملها علما في صدره، فانسلخ منها. انتقل من الارتباط بالله إلى الانفصال عنه، من رفعة المقام إلى انحدار الاختيار.


والأعراب بلغتهم الرسالة المحمدية، وتلقّوا القرآن كتابا جامعا للهداية.


 موضع التشابه يكمن في امتلاك النصّ والمعرفة، وقيام البرهان. 


كلا النموذجين يقف عند عتبة الامتحان ذاته، ماذا يفعل بالعلم حين يدخل ميدان السلطة؟


أما من الناحية الجغرافية والهوية، فتنسب أخبار بلعام الأعرابي إلى أرض الجبّارين، غير أنّ عمق الجذور الحضارية لم يصنع حصانة أخلاقية، ولم يمنح استقامة تلقائية.


هنا تتجلّى المفارقة، بلعام كان كنعاني أعرابي في زمنه، خرج من بيئة موغلة في التاريخ والسلطة، والأعراب يعيشون فوق نفس الأرض المباركة التي احتضنت الرسالة الخاتمة.


 ارتبط بلعام بالملوك والجبابرة، واستدعي علمه ليسخّر في مشروع سياسي. العلم أصبح أداة تموضع. والأعراب الذين بلغتهم الرسالة يقفون أمام الاختبار ذاته، لم يجعلوا القرآن مرجعية عليا في القرار، واكتفوا بحمله أحيانا دون العمل بما جاء فيه. 


القرآن يصوّر بلعام في صورة الانحدار بعد الارتقاء، نموذجا للمعرفة حين تنفصل عن الالتزام العملي. والنموذج المعاصر للأعراب يكشف تحدّي الرسالة حين صرفت عن وجهتها.


• بلعام، وفق الروايات، بلغ مرتبة عالية من المعرفة حتى ارتبط اسمه بالاسم الأعظم.


والأعراب في واقعهم المعاصر يمتلكون تفاصيل الشريعة ورصيدا واسعا من المعرفة بالسنّة النبوية كما أنهم يحفظونها، إلا أنهم يعملون بها رياءا فحسب.


العلم حاضر في النموذجين، والحجّة قائمة، والبرهان مكتمل.


بلعام توجّه بالدعاء ضد موسى وجنده، مع إدراكه لمقام موسى الإيماني. والأعراب يحجّون إلى البيت الحرام ويدعون على بعضهم البعض من على جبل عرفة.


فالنموذج المعاصر يكشف صورة مطابقة، فنرى أن الأعراب انسلخوا من دينهم ورفضوا العمل بما جاء في كتاب الله، فحرّموا ما أحلّ لهم واستباحوا كل حرام، وهكذا حين تعطّل أحكام الكتاب في الواقع التشريعي والاجتماعي، تتبدّل الأولويات والمفاهيم وفق مقتضيات المرحلة.


بلعام لجأ إلى الحيلة والمكر حين ضاقت به السبل حتى يخدم مشروع سلطوي. وأعراب اليوم تتجلّى الازدواجية في خطاباتهم؛ ظاهر يتحدّث بلغة القيم، وباطن يتحرّك وفق حسابات النفوذ والتحالفات. النفاق يأخذ شكل تديّن المصلحة،


وتغليف القرار بلغة شرعية.


وبلعام استخدم الشهوات والزنى كأداة وسلاح لإفساد الجماعة المؤمنة.


وفي مشهد معاصر تتقدّم موجات التفكّك الأخلاقي للأعراب تحت عناوين الحرية والتحديث، كونهم استحلّوا الزنى والفواحش والمنكرات، كما استباح بعضهم ما حرّم الله من الشذوذ الجنسي وزنا المحارم والغلمان حتى تكاد تدخل كل بيت،


 فجعلوا من كل هذه الانحرافات حقوقا مكتسبة، وبدّلوا الأحكام وفق أهوائهم، وانفلتت الضوابط إلى أن صار القبيح مألوفا.


وهكذا يصير التفكّك من ظاهرة فردية إلى مشروع ثقافي ممنهج يتم إنتاجه عبر الإعلام والتشريع والمؤسسات.


• بلعام اصطفّ إلى جانب الأعداء ضدّ رجل مؤمن مثله، مع علمه بمقامه وصدقه.


وفي المشهد المعاصر تصطفّ دول الأعراب إلى جانب القوى المعادية لها في مواجهة شعوب مسلمة تشاركها العقيدة والانتماء ويعادونها، يناصرون البعيد على حساب القريب.


بلعام قدّم الدنيا على موقعه الإيماني، فصار المال والنفوذ معيار اختياره.


وفي الواقع الراهن انفتحت أمام الأعراب أبواب الثروة والامتياز، فتقدّمت المصالح الاقتصادية والتحالفات الاستراتيجية والصفقات على مقتضيات الضمير، وأصبح الرصيد المالي معيار الأمان السياسي لشراء المتاع الزائل.


بلعام اتّبع مسارا يعبّر عنه القرآن بالانقياد لوسوسة الشيطان بعد العلم.


والنموذج المعاصر يكشف اتّباع الأعراب لخطابات الشيطان وأعوانه وفق أهواء العصر؛ فقدّموا ما زيّنه لهم، وجميعها سياسات تقصي ما أمر به الإله من مركز القرار، وتستبدلها برؤى براغماتية تخدم الاستقرار السلطوي وإن كانت على حساب الثوابت.


بلعام امتلك معرفة عالية، غير أنّ أثرها في الواقع جاء معكوسا.


والأعراب يمتلكون كتابا كاملا، بينما الحضور الحضاري يتراجع تحت وطأة التبعية والارتهان والخوف والتهديد.


بلعام بن باعوراء في لحظة خوف من بطش الملك ونفوذه، إلى أن مال ميزان الرهبة من البشر على خشية الله، وفي المشهد المعاصر؛ رهبة الحاكم لدى الأعراب تهيمن على القرار وينقلب الخوف من العقوبة الأرضية إلى محرّك أقوى من استحضار المسؤولية أمام مقام الخالق. فتغدو السلامة الدنيوية أولوية، ويمسي الحقّ تابعا لمعادلة القوة. 


أما الأمانة والخيانة، فقد ارتبط اسم بلعام بدعوته المستجابة وعلم وقدرة على التأثير، فوجّهت هذه النعمة إلى غير مقصدها واستخدمت في اتجاه عدواني ضدّ عبد مؤمن. وفي واقع أعراب اليوم، تتجلّى خيانة الأمانة في صور متعددة؛ من توظيف النصّ في تصفية الخصومات، إلى استدعاء الآيات في سياقات تؤذي الغير كالأسحار، ومن تحويل الخطاب القرآني إلى وسيلة ضغط اجتماعي بدل أن يبقى مصدر رحمة وتزكية.


في كلتا الحالتين التسليم ذاته رغم


العلم القائم، باختيار منحاز للأعداء،


وبين المعرفة والموقف تتحدّد قيمة الأعرابي بلعام وأعراب المجتمع الإسلامي ظاهريا.


بهذه الأوجه تتعمّق المقارنة، ليصبح بلعام الشخصية التاريخية نموذجا تحليليا يكشف آلية انحراف الأعراب عن المواقف الحضارية الفاعلة.


فالعبرة بالوفاء بالعهد والعمل بما أنزل الله، وليست بكثرة الآيات ولا ببلوغ مقامات العلم.


التحليل يفضي إلى نتيجة واضحة،


الأعراب اختاروا دنياهم، وقدّموا مكاسبهم على دينهم. مثلهم في هذا السياق مثل النموذج الذي عرضه القرآن بلعام بن باعوراء، فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، لتعبّر عن حالة الأعراب في لهاث دائم، حركة لا تهدأ خلف العارض الزائل، وطلب رضا القوى الكبرى بالاتجاه المرسوم وفق خرائط المصالح واجب مقدس، وانقياد مستمر للهوى مهما تغيّرت الظروف.


فعلا يمكننا القول أن أعراب هذا العصر في صورتهم السياسية، كلاب وكبيرهم الكلب ابن باعوراء.

تعليقات