القائمة الرئيسية

الصفحات

الدعاء العظيم في ليلة القدر

الدعاء العظيم في ليلة القدر


بقلم / محمـــد الدكـــروري

ما أعظمها من خسارة أن تمر هذه الليلة المباركة وهي ليلة القدر والمرء مستمر في غيّه، سادر فى لهوه، مداوم على تفريطه وإضاعته، فإذا لم تتحرك القلوب إقبالا على الله عز وجل في مثل هذا الوقت المبارك، والموسم العظيم، فمتى عساها تتحرك؟ إذا لم تنب إلى الله وتتب إليه في مثل هذه الأيام فمتى تكون الإنابة ومتى تكون التوبة؟ فإن الواجب علينا أن نقبل على الله عز وجل إقبالا صادقا، تائبين إليه من ذنوبنا، سائليه سبحانه العافية، راجين رحمته، طامعين في فضله وعظيم ثوابه، وإن مما ينبغى أن نهتم به في هذه الليلة ليلة القدر الإكثار من الدعاء، ولا سيما ذلكم الدعاء العظيم الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ففى الترمذي أن عائشة رضي الله عنها قالت يا رسول الله، أرأيت إن علمت ليلة القدر أى ليلة هي، فماذا أقول؟ قال "قولى اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" 


فما أعظمها من دعوة مباركة وما أجملها في ليلة القدر المباركة، وهذه الدعوة مناسبة لليلة القدر غاية المناسبة لأن ليلة القدر كما تقدم معنا " فيها يفرق كل أمر حكيم" أى يكتب فيها ما هو كائن إلى ليلة القدر الأخرى، فما أجمل أن يُقبل العبد في ليلة الكتابة على الله عز وجل يسأله العافية ومن أعطي العافية في هذه الليلة فقد أعطي الخير كله، ثم اعلموا أننا نعيش هذه الليالي والأيام أزمنة فاضلة، وأوقاتا شريفة مباركة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في هذه العشر في الطاعة والعبادة والتقرب إلى الله بأنواع القربات ما لا يجتهده في غيرها، ففي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في هذه العشر ما لا يجتهد فى غيرها" ولقد جاء في أحكام الإعتكاف أنه ينبغي عليك أخي الكريم أن تحرص على أن لا تتحدث في أمور الدنيا أبدا ولذا إجتنب محادثة الناس قدر الإمكان. 


وإنصرف بعد الصلاة مباشرة إلى معتكفك لا تعط الآخرين فرصة لأن يضيعوا وقتك فيما لا فائدة منه، وأوقات ضائعة ودقائق ثمينة قد تفوت على بعض المعتكفين وهو لا يشعر، فتلك هي أوقات الانتقال من مكان إلى مكان في المسجد أو وقت الإفطار، أو وقت الذهاب لدورات المياه والرجوع منها، وهذه الأوقات ومثلها معها،لا تفوت عليك بل استغل كل ثانية بالذكر والاستغفار، وليكن شعارك في الاعتكاف خاصة في الأوقات التي تجتمع فيها مع إخوانك قل خيرا أو اصمت، إن لم تجد خيرا تقوله فالصمت أولى بل ربما يكون أحيانا أولى وأفضل من بعض الخير وفيه تربية للنفس لا تخفى، واحرص على أن تكون صامتا طوال اليوم إلا من ذكر الله وما والاه ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتكلم بكلام لو عده العاد لأحصاه، هذا في أيامه العادية فكيف في الاعتكاف ؟ وكما أن الإعتكاف فرصة للنفس للتقلل من الطعام.


بل هو فرصة للتعود على الزهد، فما رأيك لو جعلت لنفسك يوما أو يومان أو ثلاثة لا تأكل فيها شيئا مما مسته النار، بل هما الأسودان، التمر والماء ؟ فإنك لو عزمت على نفسك وحزمت أمرك لاستطعت ذلك طوال العشر، ولم لا، فقدوتك وحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم "كان يمر عليه الهلال تلو الهلال تلو الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين ولا يوقد في أبياته صلى الله عليه وسلم نار، فيقول "ما طعامكم قالت الأسودان التمر والماء" وكما إن في التقليل من الطعام ترقيق للقلب وإغزار للدمعة ونشاط في العبادة وخفة في النوم ومن جرب عرف، وكما يجب عليك أن تتخذ لنفسك في المسجد مكانا قصيا، واجعل له مكانة وحرمة عند الآخرين كيلا يدخلوا عليك في أي وقت فيفسدوا عليك عبادتك وخلوتك بربك، وإنه يجب عليك أيها المعتكف أن تنوع في العبادة، فلا تمنع نفسك من أي عبادة ترغبها، والوقت يناسبها. 


ولا تجبر نفسك على الانتقال من عبادة أنت فيها إلى عبادة أخرى لم تقبل النفس عليها بعد، وإذا كنت تقرأ القرآن مثلا وحضرت لديك فترة تدبر وتفكر، فتوقف عن القراءة وعش في أرجاء ما تتفكر فيه وإن كنت تقرأ عن الجنة فعش في نعيمها، وتقلب فيه واطعم من ثمارها وانقل نفسك في جميع أوصافها التي ذكرها الله أو ذكرها رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم تأمل كثيرا ما الذي يوصلك إليها، وإن كنت تقرأ عن النار، فتوقف كذلك وعش في عذاب النار ومثل نفسك يقلب وجهك فيها وتسحب على وجهك وتجر من قدمك وتأكل من زقومها وتشرب من حميمها وترجو الخروج منها أو التخفيف ولو يوما واحدا، ثم تأمل ما الذي ينجيك منها، وعش بين الرجاء والخوف، أو إن كنت تقرأ في الحساب العسير وعن ظهور الذنوب التي لم تحتسب وعن شهادة الأعضاء فعش معها كذلك.


تعليقات