القائمة الرئيسية

الصفحات

الشرح التأويلي لكلمة " فـخسفـنا " من كتاب تأويل الأحرف في القرآن الكريم



الأديبة والمفكرة الدكتورة حكيمة جعدوني 


عند الوقوف على تكتونية صفائح العلم المتزلزلة، حيث تتماهى المعارف، تتفتح أمام العقل مساحات تتجاوز القراءة التقليدية. في عمق النص القرآني، تفوق الدلالة الروحية ركاكة المألوف، وتنساب الحروف كالمفاتيح لنظام دقيق لقيادة عالمنا "عالم التجربة" . في هذا المجال التأملي يظهر الكتاب بوجه آخر؛ منظومة رمزية تنبض بحيوية علمية، تقود عالم القوقعة الإنساني نحو إدراك أعمق للعلاقات الكونية، حيث تتجاور الطاقة الطبيعية مع ظواهر التجاذب والتنافر، فتبدو الحركة وكأنّها تفاعل نسبي بين مغناطيس ودائرة معدنية موصلة، وفي تلك الحركة تبرز حروف المعجزة بإشاراتها القادمة من بعد يتخطى إدراك الحسّ المباشر، نحو أبعاد أرحب من الفهم. 

بسم الله الرحمن الرحيم  
فَخَسَفْنَا بِهِ وبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ومَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴿ سورة القصص 81﴾

كلمة فخسفنا مكونة من الحروف الستة : ف، خ، س، ف، ن، ا، 

ويرتبط المعنى في سياق الآية بقصة الرجل قارون الذي عاش في زمن النبي موسى عليه السلام، حين طغت الثروة على بصيرته، فجاء الخسف عقابا إلهيا يطوي الأرض عليه وعلى داره. وعند القراءة التأويلية لحروف الكلمة، يظهر تدرّج يشير إلى طبقات الأرض؛ فكل حرف يلمّح إلى انتقال من مستوى إلى آخر، حتى يكتمل عدد الحروف الستة، في إشارة إلى أن موضع قارون يستقر في الأرض السابعة.

ما دلالة الحرف الأخير (ا)؟ ولماذا ارتبط بالأرض السابعة؟ وما علاقته بالكائنات التي عاشت في الأزمنة الأولى قبل ظهور الإنسان على سطح الأرض؟
للإجابة عن هذا التساؤل يمكن الرجوع إلى آية محكمة كنت قد استخرجتها سابقًا ضمن ست آيات محكمات في القرآن الكريم، حيث تشير دلالاتها الرمزية إلى تلك المخلوقات.

بسم الله الرحمن الرحيم
((أَمْ حَسِبَ)) ((الَّذِينَ)) ((فِي)) ((قُلُـ))ــوبِهِم (مَّرَضٌ) أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ. ﴿ سورة محمد 29﴾

كما تم توضيحه سابقًا، فإن أول المخلوقات ارتبطت بحرف النون، أي بالنور، وقد تم استنباطها من كلمة (الذين) في الآية المحكمة من سورة محمد. فمخلوقات النور
اتّسعت أحجامها مساحات أكبر من حيث طولها، يحدّها السواد الكوني وحده.

لناخذ الحرف ض، من كلمة مرض في الآية، ويعني ضوء، مخلوقات من ضوء. وهي ثاني المخلوقات تواجدا على الأرض. 
هذه المخلوقات كانت أشبه بطاقات ملأت فضاءات الكون الأولى بأعداد هائلة، رغم أنها لا تتوالد. أحجامها أصغر، وحركتها تتسم بالتقلص والانكماش والتفلطح، وتتحرك في اتجاهات متعددة بسرعات متفاوتة تبعًا لألوانها، في فضاء يحدّه امتداد السماء.

الميم الأولى من كلمة (أم) في الآية المحكمة تشير إلى المستقبل، بما يرمز إلى مخلوقات النور التي تنتمي إلى المستقبل، رغم أنها جاءت في بدايات الخلق وخضعت لأمر الخالق خضوعًا كاملًا، فكانت من المقرّبين.

حرف م، الثاني من كلمة (مرض) وتشير إلى الماضي فمخلوقات الضوء من الماضي، رغم كونها تعيش بالتوافق مع الزمن الأرضي. تتجسد هذه المخلوقات على أيّ شكل تشاء. 
وتشير القراءة التأويلية إلى أن تلك المخلوقات أحدثت اضطرابًا شديدًا في الأرض؛ فقد أحرقت سطحها وأفسدت توازنها، فاشتد الغضب الإلهي عليها، فأُرسلت جند تطاردها حتى اندفعت نحو الكهوف الأرضية وغارت في أعماقها.
وهناك وقع الخسف بها إلى سابع أراضين، فاستقرت في طبقاتها العميقة ضمن حلقة الماضي من الزمن الأرضي.
وحين وجدت مخلوقات الضوء على الأرض انتشرت عبر أزمنتها، فعرفت الكثير عن حاضرها ومستقبلها، وأقامت بينها سلطة عليا من لون ضوء متميز أطلق عليه اللون السائد.
كان هذا الضوء يتمدد في جميع الأبعاد، ويتشكل في أي شكل أراد، فخضعوا له وأطاعوه، ثم عظّموه حتى بلغ التعظيم حدّ العبادة بعد وقوع الخسف، إذ كان قد أنبأهم بما سيحدث.
       . . .

هذه التجربة التدبّرية في علم تأويل الأحرف في القرآن الكريم، دعوة للمتأمّل والقارئ العام أن يبدأ رحلته التدبّرية من كلمة واحدة، تشدّه وجدانيا ويسبر أغوارها، فيقيم معها صحبة قراءة وتأمّل ويختار ليلة من الليالي الهادئة وتكون قبل صلاة الفجر، يمنحها الزمن الكافي لتتكشّف طبقات معناها، مع التأكيد على اقتران هذا النوع من التدبّر بالنيّة الخالصة لله تعالى، بغية وجهه الكريم لا غير، وبالتقوى والورع العلمي، مع إبقاء باب الرجوع إلى أهل العلم مفتوحا في مسائل الفتوى والعقيدة، حفاظا على سلامة المقصد ونقاء المسار.

تعليقات